
الدكتور محمد طاوسي
في عالم الواقع و الملموس ، تتجاذبنا المادية و الحركية و العقلانية لدرجة أننا نغفل أو بالأحرى نتناسى الجانب الروحي ، فنسقط في ويلات التصادم و الصراع الداخلي ، دون أن ندرك أسبابه و ماهيته ، إذ أن المكون الروحي كما سبق و قلنا أنه هو ذلك المحور الأساس للحياة ، و بدونه لن يكون الوجود له وجود ، من هنا نؤكد أن امتزاج المكون الروحي بالمكونات الاخرى للذات البشرية يلعب دورا مهما في التوازن الذاتي ، فتلتحم الارواح بروح العقيدة الصافية ، و تسمو إلى مقام الصفاء والنقاء ، فالروح هي ذلك المخلوق اللامرئي الذي يتفنن في صياغة النشاط الحركي للذات البشرية ، و هو الذي يحتوي المكونات الإعتبارية الأخرى ، بحيث أنه هو محرك الجوارح و مقودها نحو الارتقاء الروحي ، فيصير للحب المولوي عبق فريد في القلوب ،
و تثوق النفوس إلى العلو صعودا إلى السماء ، و قد تزينت بمصابيح من نور اليقين الروحي ، غير أننا لا نستطيع استيعاب و إدراك خباياه و علومه قال تعالى ” يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي و ما اوتيتم من العلم إلا قليلا ” .
في عالم الواقع و الملموس ، هناك تناقضات ذاتية يعيشها المصابون بأمراض الذات النفسية كالنرجسية و السادية و السلطوية ، و هذه اختلالات سلوكية تفرزها اختلالات روحية و نفسية محضة سببها الاصلي هو ذلك الصراع الداخلي بين المكون الروحي و الدوافع الغرائزية التي ترتبط اصلا بالعقلانية التجريدية المتمحورة في الرغبة الحياتية و الغريزة الجنسية ، و هنا يقع ذلك اللبس بين السمو الروحي و النزوات الغرائزية ، إذ أن الحب الخالص هو الذي تزهو به الملائكة و الروح القدس ، و تحس به الكائنات و كل الخليقة وجودا على القلوب ، لانه حب لله و في الله و بالله تعالى ،
و الذي يتأسس حقيقة في عالم الارواح قبل الابدان ، فالأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف و ما تناكر منها اختلف ، و من هنا يكون أصل الوجد و الوجود في العالم الموجود هو المكون الروحي .
في عالم الواقع و الملموس تجمعنا مع المخلوقات الأخرى تفاعلات و تداخلات لا ترى بالعين المجردة ، لكننا نستشعرها يقينا على مسار المنظومة الكونية ، فتتحالف و تتآلف تلك المخلوقات متجاوزة الابعاد الكونية التي تحدها ، أو تتخالف و تتنافس فيما بينها على امتلاك تلك الابعاد ، رغم انها في هذه الحالة كلها هي الخاسر الأكبر في هذا الاختلاف و التناكر ، إذ أن القوة الحقيقية في التناغم بين الابعاد الكونية هو ذلك المحرك الاعتباري الذي يقود كل المشاعر و الأحاسيس و العواطف و الخيال و كذلك النزوات نحو الأفضل لا و هو المكون الروحي السليم ، فعندها تتعانق النفوس عهدا لله و بيعة صادقة لله حتى تفوز بتأييد الله لها يوم القيامة .
في عالم الواقع و الملموس، لا نتجرد من العلم الروحي و لا ما يسمونه باللهوت او التصوف ، فأهل هذا العلم هم من لهم باع في الفكر الراجح و الكلمة الحق و التوجيه الصحيح و الارشاد النفسي و الروحي ، هم من لهم عنوان في مسار العلوم و العلماء ، و لهم في الاخلاق سباق و لهم في التأثير و التاريخ نصيب ، هؤلاء من أوكل لهم ان تسعد الحياة بإذن الله تعالى ، فمنحهم المولى العلم و الحلم ، و بعثهم الله تعالى بعد أنبيائه و رسله عليهم ازكى الصلاة والسلام كي تستمر الرحلة نحو الكمال في صناعة الحياة دون صفة النبوة و الرسالة ، لأنهم فعلا من ادركوا حقيقة المكون الروحي ،
و لأن مكونات الروح هي اصل الانسان في استيعاب حقيقة وجوده و عمارته للأرض ، و هي الاصل في انسجام العوالم المتعددة في صياغة حقيقة الحياة ، فالروح هي من يرتقي بها الانسان نحو الصفاء الوجداني لأنها نفخة الهية ربانية في الذات البشرية ( فإذا نفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين) ، و السجود الذي امر به الله تعالى الملائكة لآدم هو سجود التكريم لا سجود العبادة ، و من هنا نستشف أن التكريم المولوي للذات البشرية انطلاقا من النفحة الروحية للمولى عز و جل .
في عالم الواقع و الملموس ، قد نصّعب على أنفسنا الحياة بالتفكير المستمر دون الانصات الجلي للروح و مكونها المحوري ، فتشتد علينا الضغوطات و الازمات ، و لا نستطيع لها حلا و لا فضلا ، فالحياة في حقيقتها بسيطة إذا ما ادركنا ذلك التناغم الروحي مع مكوناتنا الذاتية الأخرى ، و بلغنا مستوى تحقيق السلام الداخلي في الأرواح ، عندها سنتوقف عن التذمر و التفكير السلبي ، و نعيش الحياة بكل تجانس و تفان و اطمئنان ، و عندها أيا كان ما سنفعله فإننا سنقوم به بكل محبة و فرح و يقين دون الإلتصاق بالدونية أو العودة إلى ما يكسر الخاطر و يدمي القلوب ، و عندها أيضا سيكون التفاؤل فينا هو مغناطيس السعادة الذي يجذب الارواح الطيبة ، و الوجوه المبتسمة و النفوس الراضية ، و إذا ما حافظنا على توهج مكونات الشخصية الإنسانية فينا ، و وجهنا توجهنا الايجابي نحو التغيير الحقيقي للذات البشرية فإننا ايضا سنجذب كل العوالم المتعددة والأشياء الجميلة ، متجاوزين بذلك كل الابعاد الكونية و نحن على يقين تام بأن المولى تعالى سيعتني بنا ، فمن كان لله كان الله له ، و من كان مع الله كان الله معه ، و من كان بالله اوجده الله به ، فما الروح إلا بأمر الله تعالى و نفخته سبحانه نفحة من عطائه .















