
محسن الأكرمين
للثقافة نكهة خاصة في فضاء الكتابة. وإذا كان الجميع يُجمع على وجود أزمة ثقافية وفكرية عالمية، تتقاطع مع تأثيرات الذكاء الاصطناعي الذي اكتسح تفاصيل حياتنا اليومية، فإن الثقافة الرصينة تظل واجهة أساسية لمحاربة التفاهة والسطحية.
ورغم أن الفعل الثقافي في مكناس يعيش على إيقاع اختلالات متعددة، إلا أن الإشكال الأعمق يرتبط بضعف المصداقية وفقدان الثقة العامة في العمل الثقافي المحلي، في ظل غياب رؤية واضحة لدى بعض الفاعلين السياسيين القادرين على إرساء حلول فعّالة.
قد لا نرغب في تشتيت النقاش حول أجزاء الفعل الثقافي بالمدينة، لكن من الواضح أن الثقافة بمكناس أصابها نوع من الركود البنيوي، جعلها تنفلت من حاضر المدينة الذي يعيش على وقع تراجع التنمية المندمجة لكل القطاعات.
ففي غياب بنية ثقافية قادرة على احتضان الطاقات والمبادرات بالمجان، تبقى الثقافة النظيفة والرصينة التي تبني الإنسان وتحمي القيم في موقع الهشاشة.
إن منظومة الارتباك التي تعرفها السياسات المحلية لم تستثنِ المجال الثقافي، إذ ما تزال المدينة تفتقر إلى مسرح كبير ومركبات سوسيو-ثقافية مؤهلة لتأطير الساكنة. ويُسجَّل غياب تفاعل جدي من بعض الفاعلين مع القضايا الثقافية التي تهم المدينة والمجتمع.
نعم، الثقافة في مكناس تعاني نوعًا من التهميش، ويمكن القول إن المدينة تُحرم من العدالة المجالية في تدبير الشأن الثقافي. فبينما تتراجع جودة الحياة وتضعف مؤشرات السعادة، تعيش الثقافة المحلية تحت وطأة سياسة التبخيس وغياب الاعتراف بالطاقات والمرجعيات الثقافية المستقلة عن أي حسابات أو ولاءات.
اليوم نبحث عن ثقافة تؤطر الوعي وتُحصّن القيم التقليدية بالتجديد والتحديث، وعن فضاءات ثقافية مفتوحة للجميع دون مقابل. لكن المفارقة الصارخة أن عدداً من القاعات العمومية التابعة لمؤسسات الدولة باتت تُؤجَّر مقابل سومة كرائية تُفرض مسبقًا على الجمعيات الراغبة في تنظيم أنشطة ثقافية.
فهل بهذه السياسة نشجع الإبداع ونحارب التفاهة؟ وهل بهذه المقاربة نرعى الثقافة بالاحتضان ونمنحها القدرة على بناء القيم وتأطير السلوك المدني؟
في مكناس، يبدو أن الزمن الثقافي الراهن يتسرب من بين أيدينا، حتى داخل القاعات العمومية القليلة المتاحة. ورغم الجهود المشكورة للمديرية الإقليمية للثقافة التي تسعى إلى إنعاش المشهد الثقافي، فإن غياب الدعم الكافي للجمعيات وندرة القاعات المجانية وتراكم العراقيل الإدارية، كلها عوامل تُعيق الفعل الثقافي الجاد.
تستمر الأسئلة دون أجوبة واضحة: كيف نرتقي بالفعل الثقافي في المدينة؟ وكيف نوقف فرض السومة الكرائية على القاعات العمومية؟
إن مكناس في حاجة إلى هوية ثقافية جديدة تُعيد إليها بريقها وتُفعّل مكانتها كمدينة للفكر والإبداع. ومن العدل أن تتضافر الجهود لبناء مشروع فكري وثقافي يُعيد الثقة إلى الفضاء العام ويُرمم ما أفسدته سنوات من الإهمال، فهل تنجح مديرية الثقافة بمكناس في قيادة هذا التحول المنتظر؟












