ثقافة وفن

التصوف كحصن ضد التطرف وبوصلة للأمن الروحي والسلم الاجتماعي

توفيق اجانا

في سياق الحاجة المتزايدة إلى مراجعة المفاهيم الدينية وتصحيح مسارات التدين، انعقدت ندوة علمية يوم الجمعة 25 يوليوز 2025، لمناقشة قضايا بالغة الأهمية تمس حاضر المجتمعات الإسلامية ومستقبلها، تمحورت حول: الصوفية والوقاية من التطرف، التصوف والأمن الروحي، والسلم الاجتماعي من خلال الأخلاق الصوفية.

شكلت الندوة محطة فكرية خصبة، تناولت خلالها مداخلات متعددة أبعاد التصوف كخطاب روحي وتربوي عميق، قادر على تجاوز الأزمات النفسية والدينية والاجتماعية التي تعيشها المجتمعات المعاصرة، خاصة في ظل صعود خطابات التشدد والانغلاق.

التربية الصوفية في مواجهة التطرف: إصلاح النفس طريق لتحصين المجتمع

افتتحت أشغال الجلسة العلمية بالتأكيد على أهمية التربية الصوفية في الوقاية من التطرف الديني، باعتبارها تربية عقلانية وروحية متوازنة.
تمت الإشارة إلى أن المقاربة الأمنية وحدها غير كافية لمحاربة الغلو، ما لم تُصاحبها تربية ذهنية وسلوكية تزرع في النفس معاني الرحمة، وتحفّز على التسامح والتعايش، وتجعل من العقيدة الإسلامية مصدرا للتوازن النفسي لا للعنف والإقصاء.

كما تم عرض تجارب علمية مغربية رائدة في دمج علم نفس التدين مع مفاهيم التصوف، لتأطير الشباب دينيًا وتربويًا بشكل يستجيب لتطلعاتهم، ويُجنّبهم الوقوع في فخ الفكر المتشدد، عبر تمكينهم من تدين سليم، إنساني، مرن، وذو عمق روحي.

الأمن الروحي: رحلة الإنسان إلى السلام الداخلي

في هذا المحور ، نوقشت العلاقة العضوية بين التصوف والأمن الروحي، واعتُبر التصوف مسلكًا روحيا لا يكتفي بالمطالعة النظرية بل يقوم على الصحبة والمجاهدة والسلوك، لتربية النفس وتزكيتها.
وقد أبرزت المداخلات أن الكمال الإنساني لا يُنال إلا من خلال الرجوع إلى “حضرة حسن التقويم”، وهو مسار متدرج، يحرّر النفس من اضطراباتها، ويقودها نحو الطمأنينة التي تُحقق الأمن الروحي للفرد والاستقرار للمجتمع.

أخلاق التصوف والسلم الاجتماعي: سلام الروح أساس العمران

في زمن تكثر فيه التوترات النفسية والانقسامات المجتمعية، أكدت المداخلات على أن السلام الروحي لم يعد خيارًا فرديًا، بل صار حاجة جماعية ملحّة لاستمرار الحياة بشكل سليم.
وقد تم التركيز على أن أخلاق التصوف – من صفاء النفس، والإيمان، والرضا، والتواضع – تشكل قاعدة صلبة لتحقيق السلم الاجتماعي، بما تحققه من توازن داخلي للفرد، ينعكس على سلوكه الجماعي، ويُسهم في بناء مجتمع متماسك، عادل، متصالح مع ذاته ومع الآخر.

كما تم التوقف عند تجربة احد المتصوفين، كنموذج عالمي جمع بين الروحانية والانفتاح الثقافي، وجعل من التصوف جسرا للتواصل بين الأديان والثقافات، مما يعزز فكرة كونية التصوف كرسالة للسلام العالمي.

أجمعت هذه الندوة العلمية على أن التصوف المغربي الأصيل يمكن أن يكون أحد الحلول الاستراتيجية لمحاربة التطرف، وترسيخ قيم السلم، وإعادة بناء العلاقة بين الإنسان وذاته، ثم بينه وبين مجتمعه.

وفي ختام الجلسة، تمت الإشادة بمستوى النقاش العلمي الراقي، الذي ساهم فيه كل من:
لطيفة بن حليمة كرئيسة للجلسة، د.عبد الإله هلالي، د.محمد البركة، د.فؤاد محداد، د.،د. عبد الواحد الحسيني، ود.

اظهر المزيد
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى