
أثار غياب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن قمة شرم الشيخ للسلام في مصر تساؤلات واسعة في الأوساط السياسية والإعلامية، خصوصًا أن القمة كانت ستجمع قادة عربًا وغربيين في ظرف إقليمي حساس يطغى عليه التوتر المتصاعد في الشرق الأوسط.
القناة العبرية “i24NEWS” نقلت عن مصدر عربي رفيع أن إلغاء الزيارة لم يكن قرارًا إسرائيليًا بحتًا، بل جاء نتيجة اعتراض عدد من الدول المشاركة في القمة، من بينها إسبانيا وجنوب إفريقيا، اللتان أبلغتا القاهرة رفضهما السماح لطائرة نتنياهو بالمرور في مجالهما الجوي، بالنظر إلى مذكرة التوقيف الدولية الصادرة بحقه على خلفية جرائم الحرب المحتملة في غزة. وهو ما وضع مصر في موقف حرج بين استحقاقها كدولة مضيفة للقمة، والتزاماتها السياسية والقانونية أمام المجتمع الدولي.
المصدر ذاته أكد أن رسائل غير مباشرة وصلت من محيط ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس الفلسطيني محمود عباس، عبّرت عن عدم استعداد الطرفين لأي مصافحة أو لقاء علني مع نتنياهو في هذا التوقيت، وهو ما دفع الجانب المصري، بالتنسيق مع تل أبيب، إلى اتخاذ قرار تأجيل الزيارة لتفادي أي إحراج دبلوماسي أو تصعيد إعلامي.
ووفق نفس التسريبات، فقد وصلت الأمور إلى حد أن مجموعة من الصحفيين المصريين، بالتعاون مع منظمة حقوقية محلية، درست إمكانية رفع دعوى قضائية للمطالبة بإصدار مذكرة توقيف مصرية بحق نتنياهو، وهو ما عجل، حسب المصدر، بإلغاء الزيارة نهائيًا بعد مشاورات مكثفة مع الأجهزة الأمنية المصرية.
وفي موازاة ذلك، كشف موقع “والا” الإسرائيلي أن أحد الأسباب البارزة وراء إلغاء الزيارة هو رفض تركيا المشاركة في القمة بحضور نتنياهو، حيث وجّهت أنقرة رسالة رسمية إلى القاهرة تؤكد مقاطعتها للمؤتمر في حال حضر رئيس الحكومة الإسرائيلية، ما شكل ضغطًا إضافيًا على المنظمين.
من جهتها، اعتبرت صحيفة “يديعوت أحرونوت” أن تبرير مكتب نتنياهو ــ الذي عزى الإلغاء إلى تزامن القمة مع الأعياد اليهودية ــ ليس سوى غطاء إعلامي لتفادي الإحراج السياسي، خاصة بعد أن عاد نتنياهو من زيارات خارجية في فترات مشابهة دون أن يمنعه “تدنيس السبت” كما يدّعي. وأضافت الصحيفة أن السبب الحقيقي وراء القرار هو خوف نتنياهو من مواجهة دعوات علنية لحل الدولتين أو من انتقادات مباشرة تتعلق بجرائم الحرب في غزة، إلى جانب توجسه من صور المصافحة المحتملة مع الرئيسين عباس أو أردوغان، التي قد تُغضب قواعده اليمينية.
وترى الصحيفة أن العلاقة بين نتنياهو والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي تشهد برودًا غير مسبوق منذ هجمات 7 أكتوبر 2023، إذ تجنّب السيسي الرد على مكالماته لعدة أشهر، في ظل تصاعد الغضب الشعبي العربي من السياسات الإسرائيلية في غزة.
العزلة السياسية تتعمق
إلغاء مشاركة نتنياهو في قمة شرم الشيخ لا يمكن قراءته بمعزل عن التحولات في الموقف الإقليمي تجاه إسرائيل. فبعد حرب غزة، أصبحت صورته الدولية مرتبطة بالمساءلة القانونية والعزلة الدبلوماسية أكثر من القيادة السياسية الفاعلة. كما أن تراجع التنسيق المصري–الإسرائيلي في ملفات الأمن والحدود يعكس تآكل الثقة بين الطرفين، رغم العلاقات الاستخباراتية التي حافظت على قدر من التواصل العملي.
القمة التي كان يُفترض أن تشكل فرصة لنتنياهو للظهور في محفل إقليمي واسع، تحولت إلى دليل إضافي على انكماش نفوذه الدبلوماسي، في وقت باتت فيه حتى الدول الحليفة تتعامل بحذر مع صورته السياسية المشوشة داخليًا وخارجيًا.
وهكذا، لم يكن قرار إلغاء الزيارة مجرد خطوة بروتوكولية، بل إشارة رمزية قوية على اتساع الفجوة بين إسرائيل وجيرانها العرب، وعلى أن مرحلة ما بعد غزة قد دشنت واقعًا سياسيًا جديدًا، تقل فيه مساحات التطبيع، وتعلو فيه أصوات المساءلة والمحاسبة.















