
ذ: سعيد توبير
في البداية لا يمكن لنا إلا أن ننوه بمثل هذه المبادرات العلمية و الأكاديمية الهادفة: _ عرض ثقافي برواق جامعة الحسن الثاني بالمعرض الدولي، من تنشيط الدكتور الجامعي حسن اعبيابة، الوزير السابق و رئيس “مركز آبن بطوطة للدراسات و الأبحاث العلمية. في موضوع ” المبادرة الملكية لتعزيز مكانة إفريقيا في الإقتصاد العالمي” . و التي حاول فيها المتدخل بجهد منهجي وروح وطنية صادقة، الإستجابة العلمية في التحليل التركيب و الإستشراف، إلى المشكلات السياسية و السوسيو اقتصادية المحلية التي تعترض الإقلاع الإقتصادي و الثقافي، في ضوء المبادرة الملكية الأطلسية : التي تتأطر بدورها بإشكالية تشكل خرائط صراع القوى الدولي في أفق تبلور نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب: لما بعد كورونا، الحرب الأوكرانية وحدث طوفان الأقصى. صراع أقل ما يقال عنه أنه محموم وجنوني حول احتكار شروط إمكان الأمن الغذائي و الطاقي، ناهيك عن التحكم في الممرات البحرية.
1_ أهمية الرفع من منسوب الإستجابة العمومية للمبادرة الملكية الأطلسية.
و عليه أكد الباحث الجامعي حسن اعبيابة على ضرورة تثمين أهمية المبادرة الملكية الأطلسية، التي يجب فهمهما و استيعابها بجدية، في فكر و سلوك كل الفاعلين السياسيين، الإجتماعيين و الإقتصاديين.
وفي هذا السياق يقول : إن المبادرة الأطلسية التي أعلن عنها الملك محمد السادس في خطابه بمناسبة الذكرى 48 للمسيرة الخضراء ستظل حديث الأجيال المقبلة، وستبقى مشروعا ليس للمغرب فقط، بل للقارة الإفريقية وللأجيال المقبلة، مسجلاً أن المبادرة ليست ترفا فكريا ولا إعلانا أدبيا، وإنما هي تصور يمنح العالم توجها جديدا أمام التّحولات الجيو-سياسية الطارئة فيه.
و الحال هو أن هذا المشروع المستقبلي يتطلب تعبئة وطنية شاملة ذات نفس سياسي مرتفع، من جهة أن جلالة الملك محمد السادس حفظه الله قد أكد بنفس المناسبة على أن استرجاع أقاليمنا الجنوبية، هو الذي مكننا من تعزيز البعد الأطلسي للمملكة.
2_ حتمية التكثلات الاقتصادية في رسم خرائط المستقبل.
من فوائد الباحثين الجامعيين في تنوير و تكوين الرأي العام هو قدرتهم المنهجية التكوينية في التفاعل مع الوقائع الاجتماعية و السياسية، التي لا تدرك بشكل بدهي و مباشر. بل تحتاج إلى ضرورة الانتباه إلى التوابث اللامرئية الناظمة للعلاقات الدولية في بعدها المادي العقلاني. إنها الحتمية الاقتصادية، أي الأساس أو القاعدة المادية للدولة الحديثة. و التي يقول عنها الدكتور عبد الله العروي: إن القيمة التي شكلت أساس الحداثة الغربية هي الإقتصاد أي المنفعة أو المصلحة بالمعني الفقهي القديم . و هو ما يتطلب منا التجربة، أن نجرب قد ننجح أو نفشل، المهم أن نجرب، أن نراهن على شيء جديد أو الرهان على شيء ما. وفي هذا السياق أوضح الدكتور حسن اعبيابة على أن الاقتصاد حتمية تاريخية و جيوسياسية و لذلك يقول بمناسبة هذه الفكرة الرئيسة بأن “( بأن “الجواب هو أن التكتلات اليوم لم تعد سياسية شغلها هو الدفاع عن أفكار وأيديولوجيات، بل التكثل اليوم هو الاقتصاد والنمو والعمل والمستقبل”، ليخلص انطلاقا من هذا إلى اعتبار المبادرة الأطلسية “فكرا خلاّقا وتصورا جبارا نتمنى أن يتحقق في أقرب وقت، لأنه يحول القارة الإفريقية من قارة تضج بالإرهاب والفقر وغياب الأمن والاستقرار إلى دول تنموية قد تنافس الفضاء المتوسطي والفضاء الأوروبي”.
3_ عودة المغرب إلى افريقيا و رهان التنمية القارية.
لا أحد ينفي عالميا أن القارة الأفريقية قد عانت من أنواع الإستعمار، الإستغلال و كل أنواع الهشاشة الاقتصادية و الاجتماعية. بل مثلت القارة بؤرة للتطهير العرقي ، المجاعة، الحرب إضافة إلى الهجرة السرية و تشكيل حواضن أمنة للإرهاب، التهريب و تجارة السلاح في غياب تام لتنمية مستدامة و عدالة اجتماعية و اقتصادية.
ولهذا ربط د حسن اعبيابة في عرضه بين المبادرة الأطلسية وخلق التنمية المنشودة بهذه المناطق، معتبرا أن تنميتها وتأهيلها ممكن من خلال دعم استقرارها وأمنها وتكريس التعاون معها.
وزاد: “في الجغرافيا السياسية نعدّ الدول التي لا تطل على البحار والمحيطات [دولا حبيسة]، وفي قارتنا توجد 16 دولة من هذا النوع، وهو ما ينعكس على ضعفها حين يكون وصولها إلى الساحل عن طريق الدول المجاورة، ويكون مشروطا بضمانات يمكن أن تفضي إلى تصدّع ما، وهو ما حدث مرارا”.
ولهذا يجد هذا التصور ملجأه النهائي في الخطاب الملكي الذي يقول فيه جلالته : وإذا كانت الواجهة المتوسطية، تعد صلة وصل بين المغرب وأوروبا، فإن الواجهة الأطلسية هي بوابة المغرب نحو افريقيا، ونافذة انفتاحه على الفضاء الأمريكي .ومن هنا يأتي حرصنا على تأهيل المجال الساحلي وطنيا، بما فيه الواجهة الأطلسية للصحراء المغربية، وكذا هيكلة هذا الفضاء الجيو سياسي على المستوى الإفريقي.غايتنا أن نحول الواجهة الأطلسية ، إلى فضاء للتواصل الإنساني، والتكامل الاقتصادي ، والإشعاع القاري والدولي.
4_ المبادرة الملكية الأطلسية و رهان التعبئة الوطنية.
1) من جهة أخرى يمكن اعتبار المبادرة الملكية الأطلسية نوعا من التجاوز للتأخر الذي عرفه المغرب منذ السلطان المولى سليمان. أي تراجع الأسطول المغربي بسبب احتدام التنافس الأجنبي الذي تكالب على المغرب منذ نهاية القرن الثامن عشر، و الذي كرس سياسة الإنغلاق و عليه نجد في المبادرة الملكية شرط إمكان الإنخراط في أزمنة الحداثة من حيث توفرالإرادة الصلبة لاستعادة المغرب لمجده البحري ” المرابطي و الموحدي”.
وبالتالي اعتبر جلالته أنه من الضروري التفكير في تكوين أسطول بحري تجاري وطني، قوي تنافسي. ومن هنا يقول جلالته : (يأتي حرصنا على تأهيل المجال الساحلي وطنيا، بما فيه الواجهة الأطلسية للصحراء المغربية، وكذا هيكلة هذا الفضاء الجيو – سياسي على المستوى الإفريقي).
2) نعتبر أن سقف هذه المبادرة واعد، من حيث أنه يتناسب مع وفاءً الدولة المغربية لخيارها الذي لا رجعة فيه لبناء دولة ديمقراطية تحكمها سيادة القانون، فإن المملكة المغربية تواصل بحزم عملية توطيد وتقوية مؤسسات الدولة الحديثة، على أساس مبادئ المشاركة والتعددية والحكم الرشيد، إنها تطور مجتمعًا متحدًا حيث يتمتع الجميع بالأمن والحرية وتكافؤ الفرص واحترام كرامتهم والعدالة الاجتماعية، في إطار مبدأ الارتباط بين حقوق وواجبات المواطنة.
3) نأمل أن تكون هذه المبادرة بمثابة خريطة طريق نحو تعبئة وطنية شاملة تسمح بتوفير إطار من الانتماء الوطني يجعل الإنسان المغربي يتفاعل مع الآخرين في سبيل تلك المواطنة ومن أجل الوطن وهو بذاته يسعى إلى هذا التعامل لخلق مواطنة اجتماعية متزنة متفاعلة تؤمن الخدمة الفعالة للوطن. ذلك أن الإنسان يدرك جيداً أنه في حالة كونه بلا وطن يكون والعدم سواء وتتلاطم به الأمواج ويبقى ضائعاَ بين الأمصار.















