
الدكتور محمد طاوسي
في بعض اللحظات ، قد نتوهم أن الحياة تعاندنا ، و أن الكون كله ضدنا ، و قد يخيل إلينا أن الإله سبحانه و تعالى ما خلقنا إلا ليشقينا ، فكل الاشياء تعاكس مطامحنا و احتياجات ما بأنفسنا ، و هذا هو سوء الفهم عن الله تعالى ، غير أن كل شيء في الحقيقة يسير في تناسق منقطع النظير و فوق سياق لا يستوعبه إلا القلب المتفتح و العقل الراجح ، و مهما بدت الأحداث سلبية في ظاهرها ، فالله يدبر الأمور بحكمة تتخطى الفهم و تتجاوز المنطق و الخيال معا ، فهو اللطيف الخبير ، فما “أمره إذا أراد شيئا إلا أن يقول له كن فيكون” .
غير أنه في كل الأحيان يجب أن أدرك أن الافتقار و التواضع هما سلوك العابرين نحو الرفعة و العزة ، و من ابتغى العزة في غير الله ضاع و تاه ، و قد أخذت العزم على أن أكون منفتحاً على عوالم العلم و التعلم ، فالكون أكبر من أن يختزل في الماديات و المرئيات و فيما ينظر إليه فقط ، إذ أن هناك عوالم اخرى نتشارك معها هذا الكون الفسيح ، و دائماً ما تعطينا حافزا و متسعا لفكر جديد يحترم كل الخلائق ، و يعطينا قدرة على اتخاذ خطوة جديدة نحو استكشاف تلك العوالم المتعددة التي قد ينكرها البعض ، لكنها تتداخل معنا في بوثقة الحياة ، بل و تجعلنا نؤمنُ أن استكشاف تلك العوالم هو بداية جديدة لفهم الواقع و تشرب مسار المنظومة الكونية التي خلقها الله تعالى بكل حكمة و بأدق التفاصيل .
و كلما توجهت نحو الإدراك العلمي و المعرفي كلما زاد يقيني أنني أجهل الكثير من أصناف العلم و التعلم ، و كلما أدركت جهلي بذلك كلما أحببت نفسي أكثر و أكثر ، و كلما احببت نفسي كلما قل التقليد و التشابه مع الآخرين و هذا ما سيجعل الفهم عن الله فريدا و حكيما .
إن الفهم عن الله تعالى يستلزم الصبر و المصابرة و المثابرة ، فهو يلزمني أن أكون صابرًا أنيقًا ، و أن أكون متعلما دقيقًا ، و أكون محبا للعلم و العلماء مبتسمًا متسامحًا ، و أكون مقبلا على الخير متفائلًا جميلًا : كي تكون طريق النهل و التزود بالعلم هادئة مطمئنة ، فصحبة رجل عالم حكيم أفضل من عشرات السنين في قراءة آلاف الكتب دون هدي و إرشاد ، فهذا العالم الحكيم هو هدية من الله كي أتحمل أعباء الاكتساب ، و أتجمل بالعلم و الحلم و المعارف ، و لا أفقد السيطرة على ما يدور حولي من أحداث و تقلبات ، و أتحدى نفسي التي تروم إلى الخمول و الربح السريع ، و كي أتحكم في الأفعال التي تصدر مني ، فالصحبة هي مكمن القوة الحقيقية للعلم و التعلم .
إن الفهم عن الله تعالى هو الكسب غير المادي للعلم “فإنما يخشى الله العلماء” ، و هو بذلك أن تتعود النفس و العقل و القلب معا على الإدراك العلمي الراجح دون زيغ ، فلا تتضرر العقول الأخرى بسوء الفهم أبدًا ، و الفهم عن الله تعالى هو ذلك الإيمان الذي يوجه بوصلتي نحو ملاذ الروح الطيبة و معين الرشد ، فلا تضيع الارواح تائهة في سوء الظن بالله أبدًا ، بل تختار اتباع الحق و التماس اليقين ، و لا تتبع الهوى كي لا تفشل و تندم ، و الفهم عن الله تعالى هو أن أسلم الأمر لله طوعا و حبا ، و أن أقبل على الله ، و استحيي منه حق الحياء، عندها سيكون بإمكان روحي أن تبتسم فرحا بالله تعالى و تقول “رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي انعمت علي وعلى والدي وان اعمل صالحا ترضاه” .
إن الفهم عن الله تعالى هو أصعب خطوة يمكنني تعلمها، و هي ذلك القرار الذي أخطوه وحيدا بمحظ إرادتي و طواعية سجيتي ، و هو الطاقة التي تجعلني بإذن الله تعالى أقوى ، و إن الفهم عن الله هو الشيء الممكن في الطبيعة الذي يجعل العقول و القلوب تزهر طوال الوقت ، فترى ما وراء الواقع و تدرك ما خلف الحقيقة ، و هو الاستزادة في الصلاح و الزيال دون السماح لبعض الناس أن يسحبوني لعاصفتهم ، بل هو ما يعطيني القدرة كي اسحبهم لمعين اليقين الخالد و جلال العلم القائم بذاته ، فالفهم عن الله تعالى هو ما يجعلني لا اتحدث فيما غير العلم إلا إذا كان ممكنا أن أقدم فيه الخير و العمل الصالح و إلا فما هناك شئ أفضل من الصمت و التدبر في الله تعالى و عوالمه و خلقه سبحانه .















