ثقافة وفن

سخرية الإضحاك في السينما

الطيب بنعبيد

لا شك أن عصرنا يعتبر عصر قلق بامتياز إذ أن الإضطرابات السياسية والإجتماعية والإقتصادية عصفت به من كل جانب وبطرق مختلفة أزمت نفسية الإنسان وأصبح يعاني اضطرابات نفسية خطيرة كما أن عقليته ومفاهيمه تغيرت بشكل كبير بل حتى ثوابته اهتزت وقيمه فترت ففقد الإيمان ببعضها وتنازل عن أخرى ، فأصبح في حاجة أكثر من أي وقت سابق إلى من وما يضحكه ويخفف عنه ، ولكن المشكلة تكمن في أن ما كان يضحكه سابقا أصبح لا يسحب منه حتى الابتسامة البسيطة ، فأصبحت محاولة الإضحاك رسالة نفسية سامية لا تقل أهمية عن العلاج الصحي ، غير أن عملية إضحاك الآخر أصبحت صعبة جدا بل هي أصعب بكثير من إبكائه لأن العملية الثانية تعزف على وتر العاطفة فقط وهو عنده استعداد نفسي مسبق للحزن ، أما عملية الإضحاك فهي عسيرة إذ تتدخل فيها عدة عناصر وهي الإحساس ، والعقل ،والموروث الثقافي والحضاري والبيئة، فعندما يكون الإنسان أمام موقف مضحك فإن العقل يقوم بمقارنة سريعة بين الموقف ومنطق العقل فإن توافقا فلا يضحك ذلك أن المضحك في الغالب يكون مخالفا للمنطق العقلي وللمتوقع ، كما يتخذ في الغالب صوره ومواقفه من الموروث الثقافي فيضعه في علاقات غير منسجمة في بناء ضاحك بقصد النقد أوالتحليل أو السخرية بعيدا عن القذف والتحقير والاهانة ، وارتباط الضحك بواقعه وثقافته يحد من عالمية البسمة فتصبح محدودة المكان ، فما يضحك الناس في بيئة ما لا يضحك آخرين في بيئات مختلفة فكثيرا ما نسمع نكتا فرنسية أو مصرية أو بريطانية أضحكتهم ولكنها قد لا تسرق منا حتى ابتسامة ، والعكس صحيح ونادرا ما نجد النكتة العالمية .

كما أن عملية الإضحاك تفترض استحضار نوعية المستهدف ، ذلك أن إضحاك المثقف أصعب بكثير من إضحاك الأمي ، ،وإضحاك القروي أيسر من إضحاك المدني ، وإضحاك الطفل أيسر من إضحاك المراهق ، وإضحاك المرأة أقل صعوبة من إضحاك الرجل كما أن إضحاك الكهل من أعسر المحاولات ،.وقد أثبتت الدراسات أن هناك شعوبا تميل إلى البسط والظرف وعندها قابلية لتذوق الطرافة في مقابل شعوب جدية أكثر من اللازم وليست لها قابلية للضحك فالشعب المصري مثلا أكثر انبساطا من الليبي والشعب الفرنسي أكثر انشراحا من الاسباني .والشيء نفسه في الدولة الواحدة فالمراكشي مثلا أميل إلى خفة الدم من الوجدي.. بل حتى آليات الإضحاك تختلف إذ أن الطفل يميل إلى التفاعل مع الحركات الجسدية المضحكة والمتوسط الثقافة يميل إلى التنشيط المازج بين حركة الجسد والكلمة المضحكة بينما المثقف يميل إلى النقد للمواقف اعتمادا على النص المتين البناء.كما أن الكوميدي وهناك شرط أساسي لحصول الضحك وهو الاستعداد النفسي للضحك إذ أن المزاجي والمحزون يتعذر إضحاكهما أما إبكاء المنشرح فهو ممكن.

ولا شك أن كثيرا من الناس يبكون بعد الضحك مباشرة وتدمع أعينهم وقد يبكون فعلا ذلك أن البكاء انفعال نفسي ناتج عن فيض تفاعل وجداني مع مؤثر سلبي خارجي ، يحاول البكاء إعادة التوازن للشخصية من خلال عملية الإفراغ والتنفيس ، إذ بعد البكاء يحصل نوع من الارتياح النفسي والتخفيف من حدة القلق . والغريب أن الضحك يقوم بنفس عملية التنفيس والتوازن ولكن بشكل آخر فيكون الدمع مصاحبا لعمليتي التنفيس بكاء كانت أو ضحكا .وهناك مسألة تتعلق بالعلاقة بينهما ، فالبكاء قد يعقب الضحك أما الضحك فلا يعقب البكاء إلا في بعض الحالات النفسية الخطيرة التي تدق باب الجنون والحمق.والانفلات العقلي.

وهكذا يتبين أنه لإضحاك شخص ما يستوجب عليك أن تكون عارفا بمنطق عقله لتبني ما يضحكه عليه وعلى ثقافة أمته وعلى ظروفها أي أن هذه الأشياء تشكل أرضية للنقد الذكي أو لخلق علاقات غير متوقعة في قالب ساخر يسحب البسمة من المتلقي دون المساس بمقدساته أو قناعاته حتى لا تتحول محاولة الإضحاك إلى نقد لاذع تكون ردة فعله خطيرة . إن الإضحاك يتطلب من الكوميدي ثقافة وتقنيات ودراسة وأهلية ، وقدرة على التخلص من المواقف الحرجة كما يلزمه الإحاطة بثقافة الجمهور وانتظاراته ونوعيته ومقدساته مع القدرة على حسن تمثل المواقف وتغيير الأنماط المضحكة بتغيير المتلقى وظروفه إذ أن نفس المتلقي قد لا يضحكه اليوم ما أضحكه أمس ، وفي هذا المجال أستغرب كيف أن بعض المسرحيات والعروض أنتجت منذ أكثر من عقد ولازالت تعرض بالمسارح بنفس المضامين والشكل في رتابة قاتلة وقد كتبت لغير هذا الجمهور ولغير هذا الزمن والظرف ، فيعتقد صاحب المسرحية أن مقياس نجاحها هو استمرار عرضها لسنوات وأنا أرى أن هذا مقياس لفشل صاحبها في مسايرة عصره ومواكبة قضاياه والبحث بوعي في حل مشاكله مع تجديد آليات النقد البناء بتوظيف النكتة أليس من المخجل أن نعرض مسرحية شاخ ممثلوها ولا زالوا يتقمصون دور الشباب الذي كان يناسبهم عند العروض الأولى لنفس المسرحية منذ عقد أو أكثر ، كما أن الموضوع الذي تطرحه هذه الأعمال قد أصبح عقيما مبتذلا ويعرض خارج عصره . وحتى إن حضر بعض الجمهور فذلك فقط من اجل استرجاع الماضي وليس من اجل بناء الحاضر والمستقبل .

بل حتى الثقافة والمعارف التي بالعمل يكون قد عفا عليها الدهر وتجوزت. أن تقنية إنتاج الصورة منذ أكثر من قرن كانت في طفولتها ، فلم يكن بالإمكان إنتاج حركة لها بدقة لثقل تواليها وللفرق الكبير بين وضعية الصور المتتالية فأصبحت حركة الصورة مضحكة بالضرورة وهذا ما دفع برواد السينما الأوائل إلى استغلال هذا الخلل بذكاء فأنتجو الأفلام الضاحكة حركيا إذ لم يكن ممكنا إنتاج دراما مأساوية بهذه التقنية . واستغل( شارلي شابلن) هذا الضعف التقني لبناء أشرطة ضاحكة خالدة وفي غياب الصوت اعتمد الممثلون على التعبير الجسدي في نوع من المبالغة الحركية ولكن هذا الوضع كان مقبولا لجدته أولا ولذكاء المخرجين في بناء نصوص تعتدد على الجسد والميم وتساير عصرها في المضامين .

ومع ظهور الصوت ظلت تقنية توظيف الحركة والتعبير الجسدي حاضرة بقوة وهو ما نراه في سينما النصف الثاني من القرن عند( جيري لويس) و(لويس د فينيس) و(بورفيل) بل حتى فى عصرنا الحالي عند (جيم كاري) وبعد ذلك نلاحظ أن السينما الهندية والعربية توجهت بشكل واضح نحو الدراما المأساوية ولكنها لم تتخلى عن الضحك فأصبح أصحاب الدور الأول في الأفلام الهندية جديون شرفاء وأبطال …ولكن الدورالثاني كان ينسب لشخصية هزلية مضحكة غالبا. وهو النمط الذي ساد في السينما المصرية إذ أن الدور البطولي كان يسند إلى عبد الحليم أو رشدي أباظة أو حسن يؤسف و غيرهما أما الدور الثاني فكان من بطولة إسماعيل ياسين أو عبد المنعم ابراهيم أو شكوكو و..وغيرهم ومع توالي التجارب أصبح بعض الكوميديين أبطالا ومن أشهرهم عادل إمام ودريد لحام . ولكن يعاب على هؤلاء الإغراق في الحركة المشوهة بالوجه والجسد إلى حدود السخافة المقززة كما هو حال اسماعيل ياسين .

لقد ظهر نمط من البناء المسرحي في فرنسا كان يعتمد على الإضحاك من خلال المواقف وليس من خلال الحركة والنكتة ، فارتفع بالمشاهد عقليا واحترم شخصيته كما جعله عنصرا في البناء المسرحي من خلال مسايرة ثقافته وقضاياه فحقق هذا النوع من المسرح نجاحا كبيرا غير انه كان منصبا في الغالب على قضايا المجتمع بسبب ضيق هامش التعبير في ما هو سياسي . واستفادت السينما من هذا النمط فبدأت تنتج أفلام الموقف الضاحك. في العالم العربي ورغم التراكم الكمي للأفلام الكوميدية ، لا زالت السينما تفتقر لرؤيا دقيقة حول هذا النوع من الأفلام ، ولازلنا لم نتمثل جوهر هذا التوجه ، ذلك أن أغلب المخرجين السينمائيين يركزون على وسائل الإضحاك السخيف الذي يحقر الممثل و( يقردنه) إذ يتحول إلى كركوز ينط ويقفز ويشوه خلقته وجسده بشكل مقرف يبعث على الشفقة ، كما أنه يتفوه بكلام ساقط أو أبله أو سخيف كما يقع في مواقف مبتذلة غير مقبولة وغير مضحكة فتتهاوى شخصية الممثل ويفقد التقدير والاحترام.

والكوميدي الحقيقي هو الذي يسعى للحفاظ على كرامته ليكون جديرا بالاحترام وقادرا على أداء رسالته السامية ، إذ ليس من الممكن تلقي رسالة سامية من شخصية سخيفة.وما أظن إلا أن المسلسلات الكوميدية الرمضانية العربية هي ممثلة لهذه السخافة بامتياز.ولهذا التوجه الساقط الرديء الذي يسفه الممثل والمشاهد على حد السواء.وكثيرا ما نلاحظ هذه السفاهة عندما يلجأ المخرج إلى توظيف الساقط من القول والفعل بالتلفظ بما يخدش الحياء أو فضح العورات أو القيام بالسلوكات المقززة بدعوى التفتح فيوظف ذلك سبيلا دنيئا لاستراق بسمة صفراء من المتفرج ، وهو سلوك يتنافى مع القيم والاحترام. كما أن تفاهة النصوص والحوار والمقالب مع تصنع الممثل يجعلنا نخجل من انتاجاتنا ، علاوة على تطفل عدد كبير من الممثلين الجديين على الكوميديا حط من قيمتها وسفه العمل والممثل على حد السواء. أن نمطية المضامين المضحكة أصبحت عاجزة عن الإضحاك في عصر أصبح القلق من أهم خصائصه.

وقد وردت في صحف الزمن الذهبي للمسرح الضاحك أخبار عدد من المتفرجين الذين ماتوا ضحكا في المسرح ، إلى درجة صدور تنبيهات لمرضى القلب بعدم حضور العروض المسرحية الضاحكة. بيد أن المتفرج اليوم لا يكاد يبتسم في أدق المواقف المضحكة لأن أغلب المواقف الساخرت استنفدت فأصبح الكوميديون يجترون نفس النكت والمواقف والمواضيع التي عفا عليه الزمن وأصبح يقوم بلا وعي بالنقد المقارن بين هذا العمل وما يشبهه من أعمال أخرى كثيرة مشابهة، كما أن المسرحية بكاملها أصبحت أحداثها متوقعة لا تضرب على وتر الجدة والتنوع و المفاجأة والغرابة و أصبحت بسيطة البناء والسرد بسبب تطفل من دخلوا قصر الإخراج المسرحي والسينمائي من النافذة. ولكن هذا لا يعني أن جميع الأعمال الكوميدية العربية ساقطة ، إذ أن هناك استثناءات تطفوا بين الفينة والأخرى لتخلق نوعا من التصالح بين المبدع الكوميدي و المتلقي لكنها سرعان ما تختفي بين زخم الإنتاج الكثيف الساقط.المتساقط.الذي يسخر من العربي ومقومات ثقافته ومقدساته.

ولا ننسى لأن هذا النمط من السخرية السلبية اللاذعة وظفته السينما الغربية بامتياز لتحقير العرب وإذلالهم ومن المفارقات الغريبة والخطيرة أيضا أن عددا كبيرا من هذه الأفلام المحتقرة للعرب والساخرة منهم ومن ثقافتهم ومقدساتهم صورت في البلاد العربية نفسها؟؟؟. علينا أن نفهم بأننا في حاجة ماسة إلى السينما المضحكة الهادفة اليوم أكثر من أي وقت مضى لأن الإنسان المعاصر وصل إلى مستوى خطير من التشنج والتوتر ، ورسالة الإضحاك سامية لكنها صعبة التحقق إن لم أقل شبه مستحيلة ، والمخرج الذي يتبنى رسالة التخفيف عن الناس جدير بالتقدير والاحترام، لكن عليه أن يعرف كيف يزرع البسمة دون جرح كرامة المتفرج والمس بكرامته ومقدساته، وعلى المخرج أن يكون مثقفا واعيا محدد لثقافة وطبيعة المرسل إليه كما يلزمه أن يكون مسايرا لجديد عصره محترما جمهوره فلا يهينه ، وممثله فلا (يقردنه )، كما أن بناء الشريط عليه أن يتجاوز النمطية إلى الخلق ، كما أن الفضاء السردي يلزم أن يتحرى العالمية من خلال ملامسة قضاياها بدل الانغماس في محدودية المكان من خلال الانغلاق على القضايا المحلية أو الجهويه .

إذ في مقارنة بسيطة بين طبيعة الكوميديا الغربية والعربية نلاحظ أن القصة الكوميدية الغربية في الغالب ، تستحضر مواقف عامة تهم الإنسانية ككل فتسخر من الموقف في شموليته ، بينما الكوميدية العربية فهي تنهل من المجتمع العربي البدوي غالبا المواقف الساخرة فتسفهه عن غير قصد ، لتجعل المتلقي لا يسخر من الموقف ولكم من صاحب الموقف وهو العربي الذي حدد معالمه المخرج بغباء. لهذا على المخرج السينمائي أن يلتزم بالاحترام لكل من الممثل والمشاهد وعليه أن يحسن انتقاء النص والممثل الكفء وعليه أن يجدد ثقافته وتقنياته بتجدد عصره كما عليه أن يفكر في عالمية عمله بعيدا عن الانغلاق . وعليه أخيرا أن يقتنع بسمو رسالته فيعطيها ما تستحق من إمكانات مادية تضمن لها الجودة والانتشار.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى