السلطة الرابعةاش واقع فمدينتي

هل خرجت وزارة التواصل عن القانون في تدبير الدعم العمومي للصحافة؟ أسئلة حارقة حول ارتجال يهدد المقاولات الصحفية الصغرى

توفيق اجانا

يثير قرار وزارة الشباب والثقافة والتواصل، قطاع التواصل، القاضي بالشروع في صرف أجور أجراء عدد من المقاولات الصحفية، عوض الاستمرار في الصيغة السابقة للدعم الجزافي، نقاشا قانونيا ومؤسساتيا واسعا، بعد الانتقادات التي وجهتها الفيدرالية المغربية لناشري الصحف، والتي اعتبرت أن ما جرى يكرس التمييز والإقصاء ويضرب مبدأ تكافؤ الفرص بين المقاولات الإعلامية.

ولعل أول سؤال يفرض نفسه هو: هل استندت الوزارة إلى سند قانوني واضح يجيز هذا التحول في طريقة صرف الدعم العمومي؟ فالدعم العمومي للصحافة لا يخضع للاجتهاد الإداري، وإنما تنظمه مقتضيات المرسوم الصادر سنة 2023، الذي يحدد شروط وكيفيات الاستفادة من الدعم العمومي لقطاعات الصحافة والنشر والطباعة والتوزيع، وهو نص قانوني يحدد الضوابط والمعايير وآليات الاستفادة، بما يضمن المساواة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.

فإذا كانت الوزارة قد انتقلت من نظام الدعم الجزافي إلى دعم موجه لصرف الأجور، فإن الرأي العام المهني يتساءل: هل صدر قرار تنظيمي جديد يجيز هذا التحول؟ وهل تم تعديل المرسوم أو مقتضياته؟ أم أن الأمر يتعلق فقط بقرار إداري داخلي لا يمكنه قانونا تعديل أو تجاوز مقتضيات نص تنظيمي نافذ؟

وتزداد علامات الاستفهام عندما تعتمد الوزارة، بحسب الفيدرالية، على تصريحات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي الخاصة بثلاثة أشهر من سنة 2025، في الوقت الذي تجاهلت فيه تصريحات سنة 2026 المودعة لديها من طرف عدد من المقاولات. بأي منطق قانوني تم اعتماد وثائق قديمة وإقصاء وثائق أحدث منها؟ وأين هو مبدأ المساواة بين جميع المتنافسين على الاستفادة من المال العام؟

إن تدبير المال العام لا يقوم على الانتقاء أو الاجتهاد الشخصي، بل على قواعد واضحة وشفافة ومعلنة للجميع. لذلك فإن اعتماد معايير غير معلنة أو متغيرة يطرح إشكالا حقيقيا حول مدى احترام مبادئ الحكامة الجيدة التي ينص عليها الدستور، ويعيد إلى الواجهة سؤال المشروعية القانونية لكل هذه الإجراءات.

كما يثار سؤال آخر لا يقل أهمية: هل يجوز لوزارة التواصل تغيير فلسفة الدعم العمومي دون تشاور مع التنظيمات المهنية الأكثر تمثيلية؟ فالقطاع يعيش أصلا أزمة اقتصادية وهيكلية، وكان المنتظر أن يتم أي إصلاح عبر حوار مؤسساتي يضمن التوافق والاستقرار، لا عبر قرارات مفاجئة تخلق مزيدا من الاحتقان.

ومن زاوية اقتصادية، يبدو أن أكثر المتضررين من هذه الصيغة هم المقاولات الصحفية الصغرى والمتوسطة والصحافة الجهوية، التي تعاني أصلا من ضعف الموارد والإشهار. فإذا كان الدعم العمومي يمثل بالنسبة إليها شريان الحياة، فإن أي تقليص أو إقصاء غير مبرر قد يؤدي إلى إغلاق عدد من المؤسسات، وفقدان مناصب الشغل، وتقليص التعددية الإعلامية التي يضمنها الدستور.

وهنا يبرز سؤال سياسي ودستوري آخر: من يحاسب وزارة التواصل إذا تبين أن هذه الإجراءات تمت خارج الضوابط القانونية أو في غياب الشفافية؟ وهل سيتدخل رئيس الحكومة باعتباره المسؤول عن تنسيق العمل الحكومي، أم ستبقى هذه الاختلالات دون مساءلة؟ ثم أين دور مؤسسات الرقابة المالية والإدارية في مراقبة كيفية صرف المال العام المخصص لدعم الصحافة؟

إن الفيدرالية المغربية لناشري الصحف لا ترى في ما وقع مجرد خلاف حول توزيع الدعم، بل تعتبره مساسا بمبدأ العدالة بين المقاولات، وتؤكد أن الانتقائية والغموض في تدبير هذا الملف يهددان مستقبل الصحافة الجهوية والمقاولات الصغرى، ويكرسان واقعا قد يقود إلى مزيد من الاحتكار وإضعاف التعددية الإعلامية.

ويبقى السؤال الأكبر: هل أصبح الدعم العمومي وسيلة لتقوية المشهد الإعلامي الوطني كما أراده المشرع، أم تحول إلى أداة تثير الجدل والانقسام داخل القطاع؟ الإجابة عن هذا السؤال تقتضي من الوزارة نشر جميع المعايير والقرارات المؤطرة لهذا التحول، وتمكين الرأي العام المهني من معرفة الأساس القانوني الذي اعتمدته، لأن الشفافية وحدها هي الكفيلة بإزالة الشكوك وصون مصداقية تدبير المال العام.

يتبع…

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى