مجتمع

الجمع العام لمركز الذاكرة المشتركة بمكناس يجدد الثقة في قيادته ويؤكد الانتقال من “العيش المشترك” إلى “البناء المشترك

حضور وازن يعكس إشعاع المشروع الحقوقي والثقافي

احتضن أحد فنادق مدينة ، يوم السبت 2 ماي 2026، أشغال الجمع العام لمركز الذاكرة المشتركة من أجل الديمقراطية والسلم، في أجواء طبعتها الجدية وروح النقاش المسؤول، وبحضور شخصيات سياسية وحقوقية وأكاديمية وإعلامية وفنية من مشارب متعددة، في صورة عكست المكانة التي بات يحتلها المركز داخل المشهد المدني والثقافي وطنياً ودولياً.

وافتتحت أشغال الجمع العام بكلمة لرئيس المركز عبد السلام بوطيب، رحب فيها بالحضور النوعي، معتبراً أن التنوع الذي يميز المشاركين يشكل أحد عناصر قوة المركز، ويساهم في توسيع أفق اشتغاله الحقوقي والثقافي.

كما عرف اللقاء حضور عدد من المتدخلين عبر تقنية “زووم”، من بينهم الدكتور محمد النشناش، أحد مؤسسي المركز والمهرجان الدولي لسينما الذاكرة المشتركة بالناظور، الذي أكد في مداخلته أن تجربة المركز تجاوزت المقاربة التقليدية لحقوق الإنسان، لتنفتح على قضايا العيش المشترك والحوار الثقافي باعتبارها رهانات إنسانية كبرى.

دعوات إلى ترسيخ البناء المشترك والانفتاح الدولي

وأكد أحمد اخشيشن، رئيس المهرجان، أن التحولات الدولية الراهنة وما يرافقها من أزمات وصراعات، خاصة في منطقة الشرق الأوسط والعالم العربي، تفرض حضور مجتمع مدني قوي وقادر على الإسهام في البناء المشترك بدل الارتهان للمصالح الضيقة، مشيداً بالمستوى الذي بلغه المركز وبما راكمه من تجربة ذات بعد استشرافي.

كما توالت مداخلات داعمة من شخصيات دولية، من بينها الكاتب الإسباني والفاعل الجمعوي جورج سبا، والمدير الفني للمهرجان البرتغالي كارلوس كولهو، في تأكيد جديد على البعد الدولي الذي أصبحت تحمله تجربة المركز.

أربع سنوات من التراكم والعمل الثقافي والحقوقي

وشكل عرض التقريرين الأدبي والمالي محطة أساسية ضمن أشغال الجمع العام، حيث استعرض عبد السلام بوطيب حصيلة أنشطة المركز خلال الفترة الممتدة من يونيو 2022 إلى ماي 2026، متوقفاً عند أبرز المبادرات المرتبطة بالدبلوماسية الثقافية وتعزيز ثقافة السلم والذاكرة المشتركة.

من جهته، قدم خالد بن التهامي التقرير المالي، مستعرضاً الموارد المالية وأوجه صرفها، في ظل الإكراهات المرتبطة بتمويل العمل الجمعوي والثقافي.

نقاش عميق حول الرهانات المستقبلية

وعرف الجمع العام نقاشاً موسعاً شاركت فيه عدة شخصيات وفعاليات، حيث اعتبر الدكتور إدريس خروز أن اللقاء يشكل “محطة أخلاقية ومدنية وسياسية”، داعياً إلى التفكير في آفاق العمل الحقوقي والثقافي في ظل السياقات الدولية المعقدة.

فيما أبرز ناجي مولاي لحسن دور المهرجان في خلق جسور التلاقح الثقافي بين شمال إفريقيا وأمريكا اللاتينية، معتبراً أن المركز أصبح يمثل شكلاً من أشكال “القوة الناعمة”، خاصة عبر انفتاحه على العمق الإفريقي.

من جانبه، شدد السفير عبد الوهاب البلوقي على أهمية تطوير إشعاع المركز دولياً، والانفتاح على الشباب والنساء، مع الدعوة إلى الانتقال من مفهوم “العيش المشترك” إلى “البناء المشترك”، عبر مشاريع ثقافية وإنسانية أكثر استدامة.

كما دعا الإعلامي والكاتب عزيز كوكاس إلى تطوير أدوات التوثيق والأرشفة والتفكير في الوسائط الحديثة، فيما نوه بوبكر لاركو باستمرارية المركز رغم صعوبات التمويل والإكراهات التنظيمية.

الثقافة والدبلوماسية الموازية في صلب المشروع

وأكدت الإعلامية زبيدة، مقدمة المهرجان، أن المهرجان الدولي للناظور أصبح موعداً ثقافياً سنوياً بارزاً بالنظر إلى نوعية المشاركين فيه، خاصة من دول أمريكا اللاتينية، معتبرة أن هذه الدينامية تندرج ضمن أدوار الدبلوماسية الموازية في خدمة القضايا الوطنية.

كما شددت نادية لمليلي على أهمية البحوث الجامعية المرتبطة بالمهرجان في توثيق الذاكرة، فيما اعتبرت الفنانة لطيفة أحرار أن الثقافة تظل “فعلاً سياسياً”، داعية إلى توسيع الشراكات الثقافية، خاصة مع المعهد الوطني للتنشيط الثقافي.

بدوره، دعا الشيخ بيد الله إلى اعتماد رؤية جيو-استراتيجية جديدة منفتحة على فضاءات أمريكا اللاتينية والكاريبي، مع العمل على تطوير الموارد المالية للمركز.

التوثيق وحفظ الذاكرة ضمن أولويات المرحلة المقبلة

وفي مداخلة وُصفت بالوازنة، استعرض عبد الحق الريحاني الجهود المبذولة في مجال التوثيق، من خلال إطلاق موقع إلكتروني خاص بالمهرجان، وإصدار كاتالوغات ومجلات توثيقية لكل دورة، إضافة إلى إنتاج فيديوهات حوارية مع شخصيات وطنية ودولية، والعمل على مشروع مجلة شهرية جديدة، في إطار الحفاظ على الذاكرة الجماعية وتثمينها.

كما تم التطرق إلى عدد من التحديات المرتبطة بالبنية الثقافية، من بينها غياب قاعة سينمائية بمدينة ، وهو ما أشار إليه سعيد القادري والمخرج عبد الرحمان التازي، فيما دعت الفنانة نبيلة معن إلى تكثيف الأنشطة السنوية لتعزيز موارد المركز، في حين طالب أحمد الحمداوي بإحياء مهرجان مكناس لحوار الثقافات.

من مرحلة التأسيس إلى رهان الاستدامة

وفي قراءة تركيبية لمسار المركز، أكد عبد السلام الصديقي أن تجربة مركز الذاكرة المشتركة، الممتدة لعشرين سنة، ومهرجان الناظور الذي راكم خمسة عشر عاماً من العمل، مرت بعدة مراحل، بداية بالتأسيس ثم البناء، وصولاً إلى مرحلة الاستدامة التي تتطلب رؤية بعيدة المدى واستثماراً حقيقياً في الثقافة باعتبارها رافعة استراتيجية.

كما دعا إلى التفكير في أفق كأس العالم 2030 باعتباره مشروعاً وطنياً يمكن توظيفه لتعزيز الأبعاد الثقافية والحضارية للمغرب.

تجديد الثقة في القيادة والمصادقة بالإجماع

واختتم الجمع العام أشغاله بالمصادقة بالإجماع على التقريرين الأدبي والمالي، إلى جانب التعديلات المقترحة على القانون الأساسي للمركز، بما يعزز الحكامة ويطور هياكله التنظيمية.

كما تم تجديد الثقة في عبد السلام بوطيب رئيساً للمركز، وانتخاب عبد السلام الصديقي رئيساً للمجلس الإداري، والدكتورة نادية لمهيدي رئيسة للجنة العلمية، فيما انتُخب محمد النشناش رئيساً شرفياً للمركز.

وأكد عبد السلام بوطيب، في كلمته الختامية، أن المرحلة المقبلة ستقوم على توسيع إشعاع المركز دولياً، واستثمار التظاهرات الكبرى وفي مقدمتها كأس العالم 2030، إلى جانب استقطاب طاقات شبابية دولية بتنسيق مع مؤسسات وشركاء دوليين، من بينهم منظمة

وشدد على أن مهرجان الناظور الدولي لسينما الذاكرة المشتركة، إلى جانب مهرجان مكناس لحوار الثقافات والجائزة الدولية للديمقراطية والسلم ولقاءات شارع ابن خلدون، ستظل جميعها آليات أساسية ضمن رؤية تروم بناء مشروع ثقافي وحقوقي مستدام، قادر على ترسيخ قيم السلم والحوار والذاكرة المشتركة.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى