ثقافة وفن

خمس أسئلة موجهة إلى السيدة عمدة مجلس مدينة الدار البيضاء الكبرى؟ وللجهات المسؤولة عن الثقافة في مجلس مدينة الدار البيضاء الكبرى؟

بقلم عبد الرحيم ضرمام عضو تنسيقية المسرحيين البيضاويين رئيس نقابة المسرحيين المغاربة و شغيلة السينما و التلفزيون

تعيش مدينة الدار البيضاء اليوم، العاصمة الاقتصادية للمملكة، وضعًا ثقافيًا مقلقًا، يتجلى بشكل خاص في ما آل إليه المشهد المسرحي والفني، الذي عرف خلال العقود الماضية إشعاعًا وطنيًا، عربيًا ودوليًا، جعل من المدينة قطبًا أساسيًا للإبداع المسرحي والتجريب الفني والتبادل الثقافي.

سؤال الذاكرة المسرحية ومنطق مساءلة السياسات الثقافية؟

ما نعيشه اليوم في الدار البيضاء مسرحيًا وفنيًا يمكن وصفه دون مبالغة بالقطيعة:قطيعة مع تاريخ مسرحي غني،وقطيعة مع منطق التراكم،وقطيعة مع المدينة بوصفها فضاء للإبداع لا مجرد مجال عمراني واستهلاكي.

1 / الدار البيضاء التي كانت: مدينة مسرح بامتياز وموسم احتفال دائم

الدار البيضاء لم تكن يومًا هامشًا مسرحيًا، بل كانت مختبرًا للتجريب وملتقى للمدارس والتيارات: المسرح البلدي، مسرح سيدي بليوط، مسرح المعاريف، مسرح مولاي رشيد، مسرح الحي المحمدي… لم تكن مجرد بنايات، بل مؤسسات ثقافية حيّة لها جمهورها، وبرمجتها، وذاكرتها.

كما عرفت المدينة تنظيم مهرجانات وتظاهرات مسرحية كبرى على سبيل الذكر لا الحصر: المهرجان الجامعي بالدار البيضاء، ربيع المسرح العربي بالمعاريف، مهرجان الحي المحمدي للمسرح، مهرجان الدار البيضاء للمسرح، مهرجان المسرح المغاربي (في عشر دورات)، مهرجان المعهد البلدي، مهرجان بيضاوة، مهرجان الويكاند المسرحي، مهرجان الأمل المسرحي، مهرجان بن مسيك للمسرح الاحترافي، ومهرجانات الهواة ومهرجانات أخرى لم نقو على لملمة ذاكرتنا للاسترجاع أسمائها، والقائمة طويلة جدًا…وهي مواعيد فنية منتظمة، خلقت دينامية ثقافية حقيقية، ومكنت من تلاقح التجارب المسرحية المغربية مع نظيراتها العربية والعالمية، في زمن كانت فيه وسائل التواصل محدودة، لكن الحضور الفني قويًا ومؤثرًا.

المهرجانات التي ذكرتها لم تكن مناسبات احتفالية عابرة، بل فضاءات للتلاقح بين المسرح المغربي والعربي والعالمي، وكانت مواسم احتفال حقيقية، في زمن لم تكن فيه لا منصات رقمية ولا وسائل ترويج سهلة.بحق، كانت مهرجانات المدينة تنتج المعنى، وتصدّر التجربة، وتكوّن الأجيال، وكانت تساهم في الوعي الجماعي، وكانت مدينة الدار البيضاء وواحة حضارية للثقافة والفنون رغم ضعف الإمكانيات وقتها، ولكم أن تسألوا المسؤولة عن القطاع آنذاك، السيدة وفاء الصقلي…

2 / ما الذي حدث؟ منطق الإقبار لا منطق التطوير؟

ما وقع ليس صدفة، بل نتيجة:ما وقع ليس صدفة، بل نتيجة: غياب رؤية ثقافية للمدينة، بحيث تعتبر المسرح خدمة عمومية لا ترفًا ولا بذخًا.

تفكيك المؤسسات بدل إصلاحها، وإغلاق الفضاءات بدل تأهيلها، تسليم الشأن الثقافي لأشخاص لا علاقة لهم بالمسرح لا معرفيًا ولا ميدانيًا، وهو أخطر ما في الأمر.

النتيجة: مهرجانات أُلغيت، مسارح أقفلت أو أفرغت من روحها، فرق مسرحية تُركت للاحتضار تواجه مصيرها المجهول، وجمهور أُبعد قسرًا بسبب فعل فاعل؟

3 / «كازا إيفنت» والعروض المناسبة: ثقافة التدبير والبولفار، لا ثقافة المشروع

الاعتماد على بعض العروض المتفرقة أو الوعود الموسمية لا يصنع مشهدًا مسرحيًا.

ما نراه اليوم هو: منطق التدبير المناسباتي بدل التخطيط والهندسة الثقافية.

استبدال المشروع المسرحي المتكامل بـ “برمجة للاستهلاك السريع”.

تغييب المسرحيين الحقيقيين عن القرار، وتحويلهم إلى مجرد منفذين أو متفرجين.وهنا يصبح المسرح لغوًا وضجيجًا وزينة خطابية لا رافعة ثقافية، وهنا تجدر الإشارة إلى أن مسرح البولفار/الشارع مقصي من هذا Nouveau concept.

4 / سؤال اليوم: من المسؤول؟

سؤال يُرفع بشكل متكرر داخل الهيئات والنقابات وفي الفرق وداخل المقاهي الأدبية، ولكن اليوم عمل التنسيقية عرّى هذا الواقع المزيف، وهو سؤال وجيه ومشروع:من يُقرر في المسرح؟• بأي شرعية؟• وبأي تصور؟

العمل الذي قامت به تنسيقية المسرحيين البيضاويين بتعاون مع النقابات والفيدرالية من جرد وتشخيص هو خطوة شجاعة، لأنه يعيد النقاش القاعدي إلى أرض الواقع: حجم الضرر، حجم الإقصاء، وحجم الهدر الثقافي.

5 / إلى أين؟ استعادة المعنى قبل استعادة البنايات

إنقاذ المسرح البيضاوي لا يبدأ فقط بـ:

  • ترميم المسارح، بل بـ:
  • إعادة الاعتبار للمسرحي كفاعل لا كرقم،
  • إشراك المهنيين في القرار،
  • بناء سياسة ثقافية طويلة النفس،
  • ربط المسرح بالمدرسة، بالجامعة، بالحي، وبالمدينة.

  • الخلاصات والفاهم يفهم، والله يدينا في الضو، وكما يقال: الشمس لا تحجب بالغربال.
    نحن اليوم لسنا بعيدين فقط عن “الدار البيضاء التي كنا نعرف”، بل نحن أمام اختبار حقيقي لإرادتنا الجماعية:
    إما أن نقبل بزمن التيه،
    أو نحول هذا الغضب والحنين إلى قوة اقتراح ونضال ثقافي منظم.
    إن الدار البيضاء، بتاريخها وطاقاتها، قادرة على استعادة مكانتها المسرحية، شريطة توفر الإرادة السياسية والثقافية، والقطع مع منطق الإقصاء والتدبير الظرفي، والانتصار لثقافة التراكم والذاكرة والاختصاص.
اظهر المزيد
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى