
محسن الاكرمين
في زمنٍ باتت فيه الكواليس تسبق الصناديق، وتُدار فيه الجموعات العامة خلف الأبواب المغلقة، جاء فريق الرجاء البيضاوي ليقلب المعادلة، ويُقدِّم درسًا رياضيًا بليغًا في الشفافية والحكامة الجيدة. قد لا يهم من فاز برئاسة النادي في جمعه العام، بقدر ما يهم أن الديمقراطية انتصرت، وأن روح التسيير النظيف تفوقت على ثقافة الكولسة والتحكم والتعتيم.
الرجاء الأخضر، الفريق العريق، اختار أن يُعلن أرقامه ويضعها أمام منخرطيه وجمهوره قبل الجمع العام بزمن قانوني موسَّع، في خطوة تُعزز الثقة وتؤكد أن زمن التقارير “المفبركة” والتصريحات المعلَّبة قد ولَّى. أكثر من خمسة ملايين متابع شهدوا الحدث مباشرة عبر الصفحة الرسمية للفريق، دون إقصاء للصحافة، ودون تهريب للنقاشات، في ممارسة ديمقراطية قل نظيرها في الرياضة الوطنية.
جمع عام عادي في شكله، لكنه استثنائي في رسائله ومضامينه. تمرين ديمقراطي واقعي، سادته الشفافية والوضوح، استوفى مقتضيات القانون 30.09 المتعلق بالتربية البدنية والرياضة، وجسَّد مفهوم الحكامة بشكل فعلي لا شعاراتي. لا تخوين، لا انسحابات، ولا طعون. نقاشات ساخنة، رأي ورأي مخالف، وصناديق تحسم، في احترام تام للإرادة الجماعية.
ولأن الرمزية تصنع الفرق، فإن نقل وقائع الجمع العام مباشرة، دون إقصاء أو انتقاء، لم يكن مجرد اختيار تقني، بل موقف مبدئي: لا خوف من النقد، ولا حاجة لإخفاء الحقائق. النقد البنَّاء كان حاضراً، والمحاسبة كانت مكفولة، والمكاشفة كانت العنوان الأبرز. هكذا تتحقق الثقة، وهكذا تتعزز مصداقية المؤسسات الرياضية.
لقد خطَّ الرجاء مسارًا جديدًا، انتقل فيه من التدبير الجمعوي التقليدي إلى منطق المؤسسة الرياضية الحديثة. فالشركة الرياضية التابعة للفريق لم تعد مجرّد غطاء قانوني، بل واقع عملي يحكمه المنطق المؤسساتي، بعيدًا عن “التحكم العمودي” و”الولاءات الموسمية”. إنها نقلة نوعية من الفوضى إلى الحوكمة، من الغموض إلى الشفافية، ومن الشعبوية إلى الفعالية.
ولأن الصورة تتكلم، فقد كان التصويت علنيًا، والمداخلات موثقة، والنتائج مقبولة من الجميع. لا طعون ولا خصومات، بل إجماع على أن ما تحقق يستحق أن يُحتذى، وأن الرجاء ليس فقط فريقًا لكرة القدم، بل مدرسة في التسيير الرياضي الحديث.
الرسالة اليوم واضحة: بإمكان الأندية المغربية أن تُحقق التغيير، وأن تعتمد الحكامة، وأن تتصالح مع جمهورها، شرط أن تتوفر الإرادة، وأن تسود ثقافة الشفافية والمساءلة. لقد لقّن الرجاء درسا عمليًا في التدبير الرشيد، فهل تتعلم بقية الفرق الدرس؟ وهل نرى رياضة وطنية أكثر نضجًا ومؤسسات أقرب إلى الجمهور والمصلحة العامة؟
الزمن لن ينتظر، والإصلاح الحقيقي يبدأ من الداخل. والرجاء، كعادته، سبّاق في الميدان… رياضيًا وتدبيريً















