توفيق اجانا
في أحد منازل قصبة تيزيمي الكبيرة بمدينة مكناس، الذي فتح أبوابه ليكون فضاءً للذكر والوفاء، اجتمع العشرات من أبناء الحي لإحياء ليلة المولد النبوي الشريف. المكان غمرته أجواء إيمانية خاشعة؛ حيث تليت آيات بينات من القرآن الكريم، وتعالت أصوات المداحين بمديح المصطفى ﷺ، فيما ألقى أحد العلماء موعظة رقيقة حول سيرة سيد الأنبياء وقيم الرحمة التي حملها للعالمين.
لكن الذكر لم يكن وحده سيد الموقف، فقد اختار أبناء القصبة أن يجعلوا من هذه الليلة أيضاً وقفة وفاء لرجل ترك بصمة لا تُمحى في ذاكرتهم الجماعية: المعلم حميد، الحرفي البارع الذي وهب فنه وإتقانه لمسجد حي تيزيمي الكبيرة، وزينه بلمسات من الجبس أضحت تحفة معمارية تروى للأجيال.
وسط لحظة مؤثرة، تقدمت عائلته لتسلم صورة للراحل وهو في المسجد الذي خلّد فيه بصمته، فغمرت القاعة مشاعر تضامن وتأزر. لم تكن هناك كلمات كثيرة، بل شهادة واحدة ألقاها أحد الحاضرين، لكنها كانت كافية لتجسد قيمته في قلوب الجميع؛ شهادة تحدثت عن إخلاصه، وعطائه دون مقابل مادي، وعن حرفة جعل منها صدقة جارية يثاب عليها ما دامت قائمة.
المعلم حميد لم يكن فقط فناناً في خدمة مساجد القصبة، بل كان أيضاً سفيراً لمهارة الجباص المغربي خارج الحدود، إذ ساهم في تزيين عدد من قصور العراق، ليُثبت أن الإتقان لا يعرف حدوداً، وأن بصمة المبدع يمكن أن تُخلّد في أوطان شتى.
كانت الليلة إذن مزيجاً من المديح والدموع، من الذكر والوفاء، ليلة اجتمع فيها أبناء القصبة على حب النبي ﷺ وعلى تذكر رجل رحل جسداً لكنه ترك إرثاً من الجمال والبركة، يروي قصة تضامن مجتمع يحفظ الجميل ولا ينسى أهله.
















