
مع ارتفاع درجات الحرارة خلال فصل الصيف، تزداد بشكل ملحوظ حالات التسمم الناتجة عن لسعات العقارب ولدغات الأفاعي، خاصة في المناطق القروية ذات الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية. وتشير المعطيات الرسمية الصادرة عن المركز المغربي لمحاربة التسمم واليقظة الدوائية إلى تسجيل نحو 25 ألف حالة لسعة عقرب وقرابة 250 حالة لدغة أفعى سنوياً، غالباً ما تتركز أخطرها في صفوف الأطفال دون سن الخامسة عشرة.
وفي مواجهة هذه الأرقام المقلقة، أطلقت وزارة الصحة والحماية الاجتماعية استراتيجية وطنية شاملة تروم تقليص عدد الإصابات والوفيات المرتبطة بهذه الحوادث، والوصول إلى صفر وفاة بسبب لسعات العقارب، من خلال تبني مقاربة متعددة القطاعات.
انخفاض ملحوظ في الوفيات
وقد بدأت ثمار هذه الاستراتيجية تظهر على أرض الواقع، حيث سجل انخفاض كبير في معدل الوفيات الناجمة عن لسعات العقارب، الذي تراجع من 2.37% سنة 2010 إلى 0.14% حالياً، كما انخفضت وفيات لدغات الأفاعي من 7.2% إلى 1.9%، بفضل تحسين سبل التكفل العلاجي وتوفير التجهيزات الضرورية.
وتُظهر الإحصائيات أن 90% من لسعات العقارب لا تؤدي إلى تسمم فعلي، إذ لم يُصنف سوى 2500 حالة من أصل 25 ألفاً على أنها حالات حرجة، بينما تم علاج أزيد من 22 ألف حالة بنجاح في المراكز الصحية دون مضاعفات تذكر. وتتركز معظم اللسعات في الوسط القروي بنسبة 70%، وتستهدف غالباً اليدين (50%) والقدمين (45%).
استراتيجية متعددة المحاور
ترتكز خطة وزارة الصحة على خمسة محاور رئيسية:
- التوعية والوقاية: يتم تنظيم حملات تحسيسية لفائدة الساكنة، خصوصاً في المساجد والمراكز الصحية والنسائية، بهدف التعريف بأعراض التسمم وطرق الوقاية. وتُشجع هذه الحملات المواطنين على الابتعاد عن الطب التقليدي، والتعاون مع السلطات المختصة لعزل الحالات السامة ونقل المصابين للمراكز الصحية.
- تحسين التكفل العلاجي: من خلال اعتماد بروتوكول علاجي موحد وتصنيف الحالات حسب درجة الخطورة لضمان التدخل السريع والناجع.
- تكوين الأطر الصحية: يتم تنظيم دورات وندوات علمية لفائدة الأطباء والممرضين العاملين في المناطق الأكثر تضرراً، لتقوية قدراتهم في التعامل مع حالات التسمم.
- تعزيز النقل الطبي الاستعجالي: لتسريع عمليات نقل المصابين إلى المراكز الطبية المؤهلة في الوقت المناسب.
- توفير الأدوية والأمصال: تشمل هذه النقطة توزيع الأمصال المضادة لسموم الأفاعي والمواد الطبية الأساسية على مختلف أقاليم المملكة، مع تجهيز الوحدات الصحية بأطقم علاجية خاصة بلسعات العقارب.
تفعيل جهوي ومقاربة تشاركية
وفي جهة فاس مكناس، تسهر المديرية الجهوية للصحة على تنزيل هذه الاستراتيجية على المستوى الترابي، عبر استهداف الأقاليم ذات الهشاشة العالية، خاصة في فصل الصيف، حيث تسجل ذروة الإصابات.
وتؤكد الوزارة على أهمية المقاربة التشاركية في إنجاح هذه الحملة، عبر إشراك مختلف المتدخلين من قطاعات التربية الوطنية، والشباب والرياضة، والفلاحة، والأشغال العمومية، والجماعات المحلية، إلى جانب المجتمع المدني ووسائل الإعلام.
نحو صيف أكثر أماناً
تمثل هذه الخطة الوطنية نموذجاً في التدبير الوقائي والعلاجي، وتسعى إلى جعل فصل الصيف أكثر أماناً، خصوصاً بالنسبة للفئات الهشة والأطفال في العالم القروي. ويبقى الوعي المجتمعي، والتدخل السريع، والتعاون بين الفاعلين، من أبرز مفاتيح النجاح في محاربة هذه الظاهرة الصحية الموسمية.














