
الدكتور محمد طاوسي
إن الجمال هو ذلك النور الداخلي في الأرواح و الذي يسعى الباحثون عن السلام أن يستشفوا بريقه بين عثرات الحياة ، هذا الجمال الذي جعل للباحثين عن الحياة رغبة كي يسبروا أغوار النفوس و ينقبوا في القلوب بين ثقوب الكد و الكبد ، فانقاد لهم السلام ناشرا جلال البسمة و دلال السرور .
إن الجمال الحقيقي بمثابة حديقة الورود بين ثنايا الروح الطيبة التي تبعث الغبطة و الفرح لساقيها و ناظرها دون أن يخدش وردة منها أو يعبث ببهائها الأخاذ ، فالله تعالى جميل و يحب أن يرى فينا الجمال كما نحب ، و الله تعالى جليل يحب أن يرى الجلال و الجمال وجودا في حضرته ، و يرى فينا الدلال و الوقار على محيانا كما يحب ، فقل للجمال وقد تبسم للوجد أهلاً بمن يهدي الجلال بلا حد ، و مرحا بالروح طوافة بيننا فصار فيها الدلال روضاً من وردْ .
إن الباحثين عن الجمال هم من يمنحوننا الحياة بنكهة متنوعة و مختلفةً عما يقوم بنشره الآخرون ، و الباحثون عن الجلال هم من يحبون الحياة و يبعثونها في الأرض مع درجة التكامل النفسي و العاطفي الروحي ، هؤلاء هم الأصدقاء الأنقياء و الأحبةِ الأوفياءِ ، و المصحوبون الكرماء ، هؤلاء هم ظلّة القلب و سعة الروح و هندمة النفس المتألقة في جمال الوجود و صفاء الجود ، منهم الأخ و الصديق و الجار و منهم العابرٍ الذي لا نعرفه لكنه يحملُ معاني الحب و الكرامة في قلبه و ينثر مكنون الإنسانية في كل حين ، هؤلاء من يجعلوننا نؤمن أن النظرة للحياة لابد أن تكون ميزة وجدانية يلفها التناغم مع الإخلاص و التراحم مع النية الصادقة التي هي سر الله بين العباد ، و هي الدليل على ذلك الجمال الرباني و على ذلك الفتح النوراني الذي لا يعلمه لا ملك ولا شيطان ، فهو سر الله المكنون في خزائنه سبحانه وتعالى .
إن الشعور بالاكتمال و التكامل هو عندما نستشعر ذلك الجمال فينا ، فنجعله برنامج الحياة الطيبة ، و نعمل على نشره بين الناس حتى يروا روح الجلال تسري بينهم ، فيعم الخير و السلام بينهم ، إذ أن الجمال هو انعكاس لما نراه و نعمله و نحب أن نلقاه من الآخرين ، فإن أردنا الجمال فعلينا أن نمنح جمال و جلال الحياة ، فالجمال أخذ و عطاء ، و إن أردنا الدلال فلنكن صادقين في نظرتنا ، و إن أردنا الحسن علينا أن نبعث الإحسان فعلا، لأن كل ما نمنحه يعود إلينا دائمًا .
إن الجمال هو أن نتقبل الحياة بقلوب مطمئنة و نفوس راضية و أرواح جليلة لا يخدلها الفشل و لا تحطمها خسارة ، و لنكن على يقين أن لنا في كل خطوة و كل يوم مكاسب و تجارب نتعلمها و نتعلم منها ، فتغير نظرتنا للوجود ، و تنضج بها امالنا و احلامنا فيها ، ثم تتبلور تلك الاحلام اعمالا جميلة جليلة تنبض باليقين و الواقعية دون زيغ او خذلان .
إن الجمال هو ذلك النور المشرق في دواخلنا و الذي نسعى من خلاله أن نكسر قاعدة النحس التي قد تعترضنا على مر الطريق ، فهى ذلك الإحساس الرائع في مرمى القلوب و تلك الشرارة المتقدة في السريرة ، فمن حسنت سرائره أصلح الله ظواهره ، و هو ايضا ذلك الانبعاث الوجداني الذي لا يجب أن نحيد عن مساره او نلتفت عنه ، فإذا لم نستطع رؤية الجمال المشرق من الوجود ، فلنعمل على تلميع نظارات الرؤية المستقبلية فوق أعيننا و نزيل العتمة عنها كي نرى حقيقة ذلك الجمال و الجلال و الدلال .














