مجتمع

في الشدة وحدة الحياة

الكوتش الدولي الدكتور محمد طاوسي

تمر علينا أيام صعاب و أخرى عجاف و ثالثة خضراء نضرة ، و تتعاقب علينا الشهور و السنون بحلها و حلالها ، و تتقادفنا اللحظات بخيلها و رجلها ، حتى تكاد تنطفئ شمعة الامل في دواخلنا ، و قد يستخوذ علينا القنوط ، و نكاد نستسلم للبؤس و الخيبة ، ثم يأتي يوم من الأيام و ندرك فيه أن طي بعض الصفحات من الماضي ، و الغلق عليها بين دفتي كتاب العمر أفضل بكثير من الشعور بالحسرة و الخيبة و فقدان الأمل ، إذ أن في هذه الحياة هناك ما هو اولى من الركون إلى الشعور الحسي بالفشل ، عندها ندرك أن ما كان بين طيات الكتاب ما هو أكثر بكثير من تلك الصفحات التي صرنا عالقين بها دون السعي لتصحيح الأخطاء التي وقعنا فيها بين اسطر تلك الصفحات ، و قد أخذنا نبحث عن مبررات كي نستوطن تلك الصفحات البائسة في ذلك الكتاب .

نعم ، تتقادفنا الساعات الصعاب ، و نتذوق مرارة الخيبات و النكبات ، و قد تزداد حسراتنا عليها حجما إن لم يكن القصد منها هو التعلم و التطور و النهوض بمعالم الحياة السليمة التي نحياها و لو ساعة ، فنستشرف عنوان النصر .

و نستطعم حلاوة النجاح طول الحياة ، و قد تتفاقم في نفوسنا الانهزامات ، و تتسع هوة الفشل ، و يركب اليأس مركب الاستحواذ على النفوس ، إن لم تكن لنا قطيعة مع التنكر للذات ، و امتطينا صهوة الإقدام و التقدم و نحن واثقين في عطاء المولى عز وجل ، مدركين أن الحياة أحوال و أحوال ، و أننا لا يمكننا إدراك أهمية الكينونة في كنف الجود إن لم نذق علقم الخيبة ، فتحن أرواحنا إلى معين الصفاء الوجداني ، و تسعى إلى التذلل و التلذذ بالسلام الداخلي في القلوب .
نعم ، قد تتلاطم سفينة أرواحنا بأمواج الكادورات العاتية في بحر ظلمات الحياة الدنيا ، و قد تمزق أشرعتها ، و تكسر ساريتها ، لكننا حتما نصل إلى مرسى النجاة إن أدركنا أن الحكمة من ذلك هو القدرة على التفكير الجيد و السليم في الحلول المناسبة و الناجعة لكل مرحلة من مراحل الحياة .

و أن الله تعالى لن يتركنا على ذلك الحال طول الوقت ، بل سبحانه و تعالى يعطينا ما يعلم أننا باستطاعتنا التعامل معه بكل جدارة و حنكة في كل موقف من مواقف الحياة ، حتى و إن بدت تلك المرحلة من العمر صعبة جدا لدرجة عدم القدرة على استيعاب حجم صعوبتها ، و عدم القدرة ايضا على فك شفرات كادوراتها ، و نتذكر كذلك أن الله تعالى جعلنا أقوياء بما يكفي لتخطي تلك الصعوبات ، و تجاوز حجم تلك الازمات .

نعم ، لم يخلقنا الله تعالى في هذه الحياة كي يعذبنا
أو كي يرهقنا ، لكننا نبتلى في هذه الحياة أحيانًا ليس لإظهار مواطن عيوبنا و فضح مكامن ضعفنا ، بل لنكتشف مدى قوتنا ، و ندرك حقيقة قوامنا و تقويمنا ، و نستشف معالم إكرامنا و تكريمنا من جنابه سبحانه و تعالى ، فنستخلص حقيقة الخلافة في الأرض ، و نسبر مناجم العمارة الصالحة المصلحة التي تدعم الوجود في حضرة الوجود.

و نتأمل شعاع النور المشرق في الروح كي تجوب عوالم العلم و الايمان ، فكلما تأمل الانسان معاني الأفكار الطيبة طاب العالم كله لمسار الأحداث الرائعة و الجليلة التي تتوالى علينا ، و إن كانت محطات الاستزادة في هذه الحياة تعتريها مظاهر الصعوبة و الشدة في بادئ الأمر.

اظهر المزيد
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى