إيمان رفيق المسؤولة الجهوية عن برنامج صحة الأم بالمديرية الجهوية للصحة والحماية الاجتماعية فاس – مكناس
تُعدّ صحة الأم والطفل من أبرز المؤشرات التي تعكس مستوى التنمية الصحية والاجتماعية، وهو ما جعل هذا الملف يحظى باهتمام متزايد في السياسات العمومية بالمغرب. وفي هذا الإطار، عملت وزارة الصحة والحماية الاجتماعية على إطلاق برامج متعددة تروم خفض معدلات الوفيات وتحسين جودة الرعاية خلال فترتي الحمل والولادة.
غير أن أحد التحديات الصامتة التي لا تزال تفرض نفسها بقوة يتمثل في تغذية المرأة الحامل، باعتبارها عنصرًا حاسمًا في ضمان حمل سليم ونمو طبيعي للجنين، لما لها من تأثير مباشر على صحة الأم والطفل على المدى القريب والبعيد.
احتياجات غذائية متزايدة… ومعطيات مقلقة
تتطلب فترة الحمل نظامًا غذائيًا متوازنًا يستجيب لاحتياجات متزايدة من الطاقة والمغذيات الدقيقة. ووفقًا لمنظمة الصحة العالمية (WHO)، تحتاج المرأة الحامل إلى ما يقارب 300 سعرة حرارية إضافية يوميًا خلال الثلثين الثاني والثالث من الحمل.
وتشمل أبرز هذه الاحتياجات:
الحديد (27 ملغ يوميًا) للوقاية من فقر الدم
حمض الفوليك (400 إلى 600 ميكروغرام) لتفادي التشوهات الخلقية
الكالسيوم (1000 إلى 1200 ملغ) لدعم نمو العظام
البروتينات (1.1 غ/كلغ من وزن الجسم) لنمو الأنسجة
اليود (220 ميكروغرام) لتطور الدماغ
ورغم وضوح هذه التوصيات، تكشف الأرقام عن واقع مقلق؛ إذ تشير تقارير منظمة الصحة العالمية ومنظمة الأغذية والزراعة (FAO) إلى أن حوالي 40% من النساء الحوامل عالميًا يعانين من فقر الدم، فيما تبلغ هذه النسبة في المغرب حوالي 34% لدى النساء في سن الإنجاب، وهو ما يعكس استمرار تحدي نقص المغذيات الدقيقة، خاصة الحديد وحمض الفوليك.
واقع متباين بين الحضر والقرى
يعكس واقع تغذية المرأة الحامل بالمغرب تفاوتات واضحة، سواء على المستوى المجالي أو الاجتماعي. ففي الوقت الذي تعرف فيه بعض المناطق الحضرية تحسنًا نسبيًا، لا تزال العديد من المناطق القروية تعاني من إكراهات متعددة.
ويُسجَّل في هذا السياق:
اعتماد نظام غذائي غني بالكربوهيدرات مقابل ضعف استهلاك البروتينات والخضر
محدودية القدرة الشرائية لدى بعض الأسر
نقص الوعي الغذائي
انتشار معتقدات ثقافية غير مبنية على أسس علمية
كما تواجه النساء في الوسط القروي صعوبات إضافية، من بينها ضعف الولوج إلى خدمات التتبع الصحي ومحدودية التنوع الغذائي، ما يساهم في ارتفاع نسب سوء التغذية مقارنة بالمجال الحضري.
المطبخ المغربي… إمكانيات واعدة غير مستغلة كفاية
رغم هذه التحديات، يتوفر النظام الغذائي المغربي على مؤهلات مهمة يمكن أن تساهم في تحسين تغذية المرأة الحامل، إذا ما تم توجيهه بشكل صحيح. ومن بين الأطعمة المفيدة:
الكسكس بالخضر واللحم كمصدر متكامل للطاقة والبروتين
الحريرة لغناها بالبقوليات
السردين كمصدر للأوميغا 3 والحديد
التمر واللوز كمصدر للطاقة والمعادن
الحليب ومشتقاته لتوفير الكالسيوم
مضاعفات صحية قد تكون خطيرة
يحمل سوء التغذية خلال الحمل تداعيات صحية متعددة، من بينها:
الإصابة بفقر الدم وما يرافقه من مضاعفات
انخفاض وزن المواليد
ارتفاع خطر الولادة المبكرة
زيادة احتمال وفيات الأمهات والرضع
اضطرابات في نمو دماغ الجنين
نحو مقاربة متعددة الأبعاد
أمام هذا الوضع، يوصي المختصون باعتماد مقاربة شمولية تقوم على:
تعزيز التوعية الغذائية، خاصة في الوسط القروي
تعميم المكملات الغذائية داخل مراكز الرعاية الصحية
تحسين خدمات تتبع الحمل وتسهيل الولوج إليها
إدماج التغذية ضمن البرامج الصحية الوطنية، كما تنص على ذلك استراتيجية وزارة الصحة والحماية الاجتماعية
تشجيع الشراكات مع قطاعات التعليم والفلاحة والإعلام
دعم الوضعية الاجتماعية والاقتصادية للنساء.
استثمار في المستقبل
وفي ظل هذه المعطيات، يتأكد أن تحسين تغذية المرأة الحامل لا يقتصر على كونه إجراءً صحيًا ظرفيًا، بل يشكل استثمارًا حقيقيًا في مستقبل الأجيال. فصحة الأم تنعكس مباشرة على صحة الطفل، وعلى جودة الرأسمال البشري للمجتمع ككل.
وعليه، فإن تعزيز السياسات العمومية في هذا المجال، إلى جانب تكثيف الجهود التوعوية والوقائية، يظل مدخلًا أساسيًا لتحقيق العدالة الصحية وتقليص الفوارق المجالية، في انسجام مع التوجهات الوطنية والدولية في مجال الصحة العمومية.















