
عبد المجيد كريم
في مكناس، حيث تنصت الحجارة للذكر، وتتنفس الأزقة أنفاس الروح، أسدل مهرجان “عيساوة – مقامات وإيقاعات عالمية”، أمس السبت، ستاره الأخير، تاركا خلفه ما يشبه أثر الحلم العابر، حلمٍ من المقامات والوجد، من الأصالة والتجديد.
لم يكن المهرجان مجرد تظاهرة فنية تضاف إلى الروزنامة الثقافية، بل كان رحلة استبطان في عمق الهوية المغربية. رحلة تنسج فيها العيساوية خيوطها القديمة بنبض معاصر، حيث تتقاطع المدرسة بالمديح، والإنشاد بالتعبير الحر، لتصبح الموسيقى طريقا نحو الذات.
منصة ساحة الهديم، حيث يحتفظ الحجر بذاكرة الزمن، كانت نقطة الانطلاق. هناك وقف الركب الفيلالي بقيادة المقدم عبد العالي لمرابط، كما لو أنه يستحضر أرواح الأولياء وأصوات الزوايا الأولى. على إيقاع البندير والغيطة، تردد الذكر، وتحول الصوت إلى حكمة مغناة، تلامس القلوب قبل الآذان.
ثم صعدت مجموعة “أش كاين”، حاملة صوت المدينة المتمردة، تعبر عن يوميات الجيل الجديد، تصرخ، تغني، وتحول الألم إلى طاقة. منال بنشليخة أضافت لمستها الحضرية، فدمجت الإيقاع الغربي بالنكهة المغربية، جاذبة جمهورا لا يعرف العيساوية في طقوسها، لكنه وجد فيها إيقاعا حيّا. أما حاتم عمور، فاختتم السهرة بجسر من الأغنية الشعبية، يصل بين الذاكرة الجمعية ومسرح الحاضر، فصفق الجمهور طويلا، دون أن يدرك أن ما عاشه لم يكن مجرد عرض، بل لوحة حية لوجه المغرب المتعدد.
وفي ساحة لاكاورا، في الجهة الأخرى من المدينة، كان للزمن إيقاعٌ آخر. هناك لا ضوء إلا ما ينبعث من الداخل، ولا صوت يعلو على الذكر الخافت. جلس المقدمون عثمان بن مومن، نافع بن التهامي النويكة، والحاج السعيد الكيسي، كحكماء الزوايا، ينشدون لا ليستعرضوا، بل ليطهّروا. الجمهور لم يصفق، بل أنصت بصمتٍ يشبه التأمل، كأن الصمت ذاته صار تصفيقًا من نوعٍ آخر.
أما في فضاء السواني التاريخي، فقد تجلى “موكب ليالي الحال” كطقسٍ خارج الزمان والمكان. الألوان، الخطى، الإيقاعات، كل شيء كان يتحرك على إيقاع باطني لا تراه العين، بل تحسّه الروح. المقدمون عادل الصفريوي، بدر المرابط، وحسن عقيل لم يكونوا مجرد قادة طقوس، بل كأنهم رسّامو مشاهد تُنقش بالنور والظل، بين جدران شاهدة على قرون من التاريخ.
وفي ساحة نيم، عاد الهدوء ليأخذ الكلمة. وقف كورال منصف العمري كجوقة منسجمة مع أنفاس السماء، تتبادل المقامات كأنها صلوات. ثم جاء الركب المكناسي بقيادة فؤاد المرابط، والطائفة العيساوية المشور الستينية برئاسة عبد الحق بن خلدون، ليمنحا المهرجان نَفَسًا من زمن البيوت والحواري، حيث لا غناء إلا ما خرج من القلب.
لقد بدا المهرجان، في مجمله، كحوار خفي بين الأزمنة. كل منصة كانت وجها من وجوه العيساوية: وجه يحتفي بالأصل، وآخر يتنفس روح العصر، وثالث يتأمل في الصفاء، ورابع يستند إلى الجماعة ليحيا. كانت العروض كأنها أصابع يد واحدة: مختلفة، لكنها تصنع الإيقاع حين تلتقي على الدف.
في مكناس، هذا الصيف، لم تكن العيساوية مجرد تراث يستعرض، بل ذاكرة تستعاد بلغة اليوم، بقلب الأمس. بين الإيقاعات والمقامات، بين الذكر والغناء، بين الركب والصمت، استعاد الجمهور شيئا من أنفسهم، شيئا من مغربهم العميق.















