
توفيق اجانا
في الواقع فإن محكمة العدل الدولية في لاهاي و التي كنا قد طلبنا منها التحكيم – اعترفت في اكتوبر 1975 ، ان الاراضي الصحراوية التي تحتلها اسبانيا ، لم تكن عند استعمارها ارضا خلاء لا صاحب لها ، وفي هذا السياق قالت حرفيا « كانت بين الصحراء والمملكة المغربية روابط قانونية وروابط ولاء » ، ومعنى ذلك أن سكان ذا الاقليم الصحراوي يدينون بالطاعة والولاء لملوكهم المغاربية : انه حكم قوي التعليل ، لأنه اذا ما أنكر أن ارادة هذه الأقاليم لم تكن تمارس من قبل السلطة المركزية المغربية .
كيف يمكن تفسير الوجود الشخصي لأجدادنا فيها ؟وكيف يفسر ان مولاي اسماعيل قد وصل عام 1679 الى نهر السينغال ؟ وكون مولاي الحسن ذهب عام 1882و 1886 الى الصحراء ؟ وكيف يمكن نسيان ان المعاهدات الدولية المبرمة مع بريطانيا سنة 1895 ، ومع فرنسا والمانيا سنة 1911 اعترفت رسميا بالسيادة المغربية على هذه الأقاليم .
ان روابط الولاء التي تحدثت عنها المحكمة الدولية هي روابط جد قديمة ، وجد ثابتة ودائمة ، وجد عديدة قامت الأدلة عليها بالعديد من توجيهات ملوكنا وأوامرهم وقراراتهم وظهائرهم قبل الاستعمار وخلال وجوده ، الى حد أن المحكمة نتيجة اطلاعها اطلاعا كاملا على ذلك – اعطتنا الحق في هذه النقطة.
وهل من حاجة الى القول أن الأجداد والسلالات الانسانية والثقافية والدينية والتقليدية التي تشدنا الى مواطنينا الصحراويين ليست اقل قوة من روابط الولاء ، وان الروابط القانونية لا وجود لها الا بالنسبة لصلات الأجداد التي هي أقدم وأمتن ؟
وقد كانت اسبانيا حكيمة عند ما تراجعت عن تنظيم استفتاء بين صفوف سكان الصحراء
لقد اوردت امام المجتمع في 20 غشت 1974 ملاحظة تقول : يوجد في كل من موريتانيا ، والجزائر ، ومالي ، والسينغال ، وفي المغرب » شعب صحراوي » . فهل نستطيع ان نتصور ظهور نصف » دزينة » من الأمم الصحراوية ، كلها تقريبا مستفتاة على مصيرها في قلب كل هذه البلاد ؟ فـي مثل هذه الحالة يصبح التقرير الذاتي للمصير تخريبا ذاتيا.
لقد تفاهمنا تفاهما كاملا مع الجمهورية الموريتانية ورئيسها السيد المختار ابن دادة ، اما الجزائر فقد سبق لها ان اعترفت بأنها ليست معنية بالتراب الذي ستتخلى عنه اسبانيا ، ولذلك لم يبق امامنا غير أن نرجع الى ديارنا لنلتقي من جديد مع مواطنينا
ان الحق الواضح كان الى جانبنا ، ولكن كان علينا ان ننتظر قراراً من الأمم المتحدة كان محتملا ان يصدر او لا يصدر ، فكان الأمر يتعلق اذن بعد عام من الاجراءات والاستشارات الدولية ، بأن نخرج الى حيز الواقع ما كان قد أقر نظريا وما كان مهدداً بأن ينساح في رمال الصحراء ويضيع فيها ، ولما كانت صحراؤنا لا تستطيع ان تأتي الينا كان علينا ان نذهب اليها اذ كانت تنتظرنا . معنى ذلك انه كان علينا ان نرجع الى ديارنا بسلام وعزم، أقوياء بحقنا وقوة ادراكنا ، وكان من واجبنا أن نلتقي مجدداً مع اخواننا الصحراويين لقاء طوعيا مقترنا بالحماس.
ولم يكن من المتصور أن نخوض مع الاسبان حربا لا معنى لها ، لم يكن احد راغبا فيها ، لا في مدريد ولا في الرباط، وفي الوقت الذي غدا فيه رحيل الاسبان حقيقة مؤكدة ، كان من غير المعقول ان نترك ارضنا خاوية ومهملة . وهكذا تقررت المسيرة الخضراء
لماذا اشترك فيها 350000 متطوع ؟
جواب ذلك بسيط : فـ 350000 هو عدد الأفراد الذين يولدون في المغرب كل عام ، على ان يوظف حصاد عام يعطيه لإعادة اراضينا لم ننسها قط .
ولهذه الغاية سميناها خضراء ؟ لقد سمع العالم كله عن راية نبينا الخضراء ، كما اراد جلالته رحمه الله قبل كل شيء ان تكون هاته المسيرة مظهر موكب حماسي ومؤثر معا ، وان تكون في وقت واحد احتفالا رياضيا ووطنيا وروحيا ، وبمثابة حج مؤكد للحق الى هذه الأرض المغربية العريقة . لقد كان هذا ما اراده وما اراده الشعب المغربي .
ان التكتم كان ضروريا في وقت لم يكن فيه من الممكن ارتجال مسيرة 350000 فرد الى الجنوب المغربي ، ولهذا فان مخطط اسكانهم قد درس ونفذ بعناية دقيقة ، امام العالم بأجمعه فقد اطلع منذ 16 اكتوبر عن طريقة خطاب جلالته على ما اعتزم القيام به ،كما ارسل بعدها بيومين رسالة الى الدكتور كيسنجر ، وفي 22 اکتوبر دشن بحضور السيد فالدهيم الأمين العام للأمم المتحدة السد الكبير للمسيرة ، وسماها سد المسيرة السلمية ، وتحدث طوعيا الى رجال الصحافة ، والى رجال الاذاعة والتلفزيون الأمريكيين والفرنسيين ، والاسبان ، في موضوع مسيرتنا التي كان متطوعوها قد تجمعوا بنظام مثالي في مراكز انطلاقهم .
كثيرون من الصحفيين الأجانب « لم يكونوا يصدقون ذلك » ، ان التشكك والسخرية السهلة اطلقا لنفسهما العنان ، وفي نيويورك استوضح بعض المخبرين قائلين :كيف تتوقعون من 350000 مغربي ان يتقدموا من جلميم وطرفاية الى الأمام، هل سيتقدمون على ظهور الجمال ؟ لا شك انهم كانوا يعتقدون اننا لا نملك وسيلة للنقل غير الجمال !
وباختصار ، كان « دفع 350000 انسان الى الصحراء » يبدو لهم مشروعا خياليا ، بل « غير معقول » . لقد نسوا ان هؤلاء الرجال والنساء السائرين مغاربة ، ونسوا كذلك اننا قد خصصنا – على قدر المستطاع – كل الجهود لئلا نترك شيئا للصدف . وقد يكون تنظيم حركة بمثل هذا الحجم الهائل هو الشيء الأدعا للتعجب
فخلال اثني عشر يوما ، كانت عشرة قطارات تنقل كل يوم المتطوعين من شمال المغرب وشرقه الى مدينة مراكش ، ومنها كانوا ينقلون بالشاحنات الى اجدير ، ثم الى طرفاية ، وكان عدد هذه الشاحنات بالتدقيق 7813 شاحنة ، كما كان عشرة آلاف من الأطر تنظم المسيرة يعاونهم 470 من الاطباء والمعاونين الصحيين
وكان من اللازم كذلك نقل ما زنته 17000 طن من المواد الغذائية ، و 23000 طن من الماء ، و 2590 طن من المحروقات ، بالاضافة الى الأسلحة والذخائر لاستخدامها عند الضرورة في اعمال الدفاع عن النفس ، وقد استخدمت مصلحة الصحة 290 سيارة اسعاف .
يتبع…















