ثقافة وفن

جدار الدموع

عبد الإله ميموني

في هذه اللحظات العجاف يمر الوقت بخطى السلحفاة.. ودولاب الحياة الفانيةيدود ويدور .. والصمت لازال يكسر الكلام ويغتال رحم الأحلام.. !
وفي زاوية من هذه البسيطة بالقرب من ” أفامية “
يقبع مشجب الذكريات باسقا شامخا وتتحوم حوله
دخيرة من الأفكار والخواطر.. وفي زاوية أخرى تبرز
مظاهر الفرح التي تطل من وسط الدموع عند نهاية
جدار الدموع.. !
يتبعثر الغضب والصخب.. وتتناثر الأحزان والأشجان..
ويتحول الفرح إلى قرح ويغرق الجمع في سبات من
الجحود والجمود.. !
فترسم قطرات الندى على صفحة الأفق عبارة تقول:
” إن قلب الإنسان أقسى من قلب بنتون ” !
وتراهم من بعيد كأنهم جراد منتشر.. سكارى بالهواجس
والمخاوف.. يترنحون ويزحفون فوق جمرات من الدهشة
والحيرة.. عبر دهاليز الغرابة والإغتراب.. !
ليسقطوا صرعى كأنهم أعجاز نخل منقعر.. ويتدحرج من الأعالي رجع الصدى مواسيا ومجلجلا: ” الزهرة لاتعود
إلى الحياة إلا بالموت ، والمحبة لا تصير عظيمة إلا
بعد الفراق “
فما أقسى وأتعس أهل هذا الزمان.. !
مرت لحظات أحسست بالضجر
والإجهاد.. جلست بالقرب من المرآة.. نظرت إليها
اغتصبت ابتسامة على شفتيها وعبست وصرخت
في وجهي وعزفت على أوتار أذناي مؤنبة مؤدبة:

  • ( ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ، ونحن
    أقرب إليه من حبل الوريد ) – صدق الله العظيم –
  • صدقت..
  • ( ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ) – صدق الله العظيم –
  • بلى.. أحاول – فقط – بحرف الأعزل أن أكسر سيف الأنظمة..!
  • ( وجاءت سكرة الموت بالحق. ذلك ما كنت منه تحيد ) – صدق الله العظيم –
  • صحيح.. لأن صدق الكلمة يفعل السيف بوردة.. !
  • ( يوم يقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد ) – صدق الله العظيم –
    انتفضت واقفا وكأن حية لذغتني.. ! حاولت مطاردة هذه الكوابيس والهواجس التي تلاحقني وتلصق بي كأسراب من النمل.. !
    صرت أجري.. أجري وأجري .. بعد برهة ، توقفت لأستجمع الأنفاس اللاهثة.. صوبت بصري في
    كل الجهات.. فتعثر نظري من أمامي بقبور انتشرت
    على شكل بيوت.. ومن ورائي وجدت مهدي قد أصبح
    لحدا لأنني توفيت قبل ميلادي.. !
    وها أنذا قبل موتي أزور قبري بمقبرة الغرباء لأقرأ
    عليه فاتحة الرثاء.. !
    حاولت أن أتفحص المكان من جديد
    لأسترجع مافات ومات.. صفعتني نفسي بغمزات
    وهمسات.. فاسترجعت رشدي بعدما ضيعت الرشد.. !
    وتذكرت حينها أنني أجهل دين أبي وجنسية أمي.. !
    وأنه ليس لي يد وفم ودم بما يجري من حولي.. !
    ما أقسى وأصعب هذا الكلام وسط هذا الزحام.. !
    صرت أجري .. أجري وأجري.. لعلي
    أعثر على قصيدتي الضائعة والهائمة .. لكنني
    وجدت العنوان وحده الذي ظل صامدا جامدا..
    أما الخطوط فقد تفسخت.. وتحولت السطور على
    الورق إلى بحار.. والكلمات إلى زوارق تصارع
    الأمواج العاتية دون بحار.. !
    حتما – المسكين أنا – سأنتهي طعما شهيا في بطن
    أسماك القرش لذوي أصحاب القروش.. !!
    وعندما أطل وجه الصباح ، أزحت الستائر
    عن نافذتي وأشعلت المصباح.. !
    وتذكرت كلماتك الرصينة يا صاحبي.. بأن الجدران
    والولدان شابت وشاخت.. أما الأحلام قد تتكسر..
    لكن لا يعتريها المشيب ولا تشيخ.. !
اظهر المزيد
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى