ثقافة وفن

فنون القول.. التي توارثتها الأجيال عبر العصور و وصلت إلى عصرنا هذا ماهي إلا عصارة أحداث و تجارب عاشها الأجداد واختبروها

بقلم: أبو ياسين محمد بنعلي


فنان نشأ وترعرع داخل متحف ينبض بالحياة، إنها مدينة مكناسة الزيتونة
التي عاش في كنفها بين أحضان أسرة شعبية تجتمع فيها كل الخصال الحميدة.

تلقى تعليمه الأولي في الكتاتيب القرآنية موازاة مع تلقيه مجموعة من الصناعات التقليدية كباقي أبناء جيله، من بينها :النجارة والنقش على الخشب.

تولع بفنون القول والحكي والغناء، عبر احتكاكه بالعديد من الشيوخ و المعلمين وكذا تردده المستمر على الساحات العمومية المكناسية، التي كانت تعج بكل أنواع حلقات الفرجة والحكاية، قبل أن يلتحق بالمعهد الموسيقي.

مارس العديد من أنواع الموسيقى التراثية إلى جانب شيوخ فطاحلة ومقدمون لهم باع طويل في هذا المجال، ومن بين تلك الفنون: الفن العيساوي و الحمدوشي وموسيقى الآلة والملحون الذي توعد له عميده المرحوم الحاج الحسين التولالي وكذا الشيخ الجليل المرحوم سيدي أحمد أكومي والعديد من الأشياخ بالتألق والنجاح.

إنه الفنان الكبير، سفير الفنون المغربية بالمهجر وعلى رأسها فن الملحون سعيد المفتاحي.

الفنان سعيد المفتاحي رغم إنتاجاته الغزيرة ومشاركاته المتعددة لازال يكافح ويناضل ويواصل طريقه نحو المجد بعمله المتواصل، وبتواضع قل نظيره في زمننا هذا ..

خلال لقاء عادي من اللقاءات التي تجمعني به كصديق وكأخ وكزميل ، كنا نمزح فخطرت لي فكرة النبش في بعض القضايا التي تشغلني وتشغل العديد من نبلاء هذا الوطن فطرحت عليه مجموعة من الأسئلة أجاب عنها بكل عفوية وصدق …

ذات مساء و كالعادة ، كانت جلساتنا يطغى فيها الحديث عن الشأن الثقافي وخطر ببالي أن أستدرجه في الحديث حول مجموعة من الأشياء التي تتعلق بالتراث وخصوصا فن الملحون فطرحت عليه مجموعة من الأسئلة كانت كالتالي:

س ـ كيف تنظر إلى مستقبل الملحون في ظل العولمة و رياح التقلبات التي يعرفها العالم العربي وأيضا أمام ما يروج في الساحة الفنية عبر قنوات الإعلام المرئية والمسموعة وعبر كل التظاهرات التي تنظم من طرف المسؤولين عن القطاع الثقافي و الجماعات الحضرية وغيرها..

ج ـ لن أجيبك فقط عن واقع الملحون، بل عن واقع فنون القول بصفة عامة و فن الملحون بصفة خاصة.

إن فنون القول  التي توارثتها الأجيال عبر العصور ووصلت إلى عصرنا هذا ماهي إلا عصارة أحداث و تجارب عاشها الأجداد واختبروها ووظفوها في الحياة اليومية. ومن خلالها يمكن أن نستمد إشعاعات النور التي يمكن أن تقودنا إلى المستقبل. كل الشعوب تعود قبل الشروع في مشروع مستقبلي ما.. إلى ذاكرتها ـ لأنه لا يمكن أن نسير كما سبق ذكره إلى المستقبل دون معرفة الماضي ـ نجد عندنا في الوقت ذاته نوع من التنكر للذاكرة، و بما أن الإنسان الذي ينسلخ من هويته لا ينسلخ من تلقاء نفسه ـ طبعا ـ لأن الأمر ليس بيده فهناك مساهمة العديد من العوامل ضمنها المحيط الذي يعيشه و المؤثرات الإعلامية سواء الوطنية منها أو الغازية إضافة إلى ما يقدم له من خلال المهرجانات و التظاهرات الثقافية. هنالك أيضا مجموعة من الأيادي الخفية التي تبتكر الوسائل التي تساهم في خلق مجتمع متفكك عن ذاكرته.

س ـ هل يعني هذا أنك تحمل المسؤولية لجهة ما..؟

ج ـ في نظري إن هذه المسؤولية يتقاسمها الجميع بما فيهم الممارسين داخل المجال الإبداعي الخاص بفنون القول أو الفنون الأصيلة داخل المغرب ـ والآن أصبح الكل يؤمن بالخطر المحدق بتراثنا في مغربنا الحبيب من خلال متابعته للقنوات التلفزيونية المغربية لأنه ليست هناك كوطة تخص هذا الجانب. فهم يفضلون فنون غازية من الشرق أو الغرب. وليست الفنون التراثية وحدها المستهدفة بل حتى مبدعينا. ! فالمبدع المغربي في جانب.. وما قد نسميه المبدع الأجنبي هو من يأتي ويفوز بالحصص الإشهارية ويكرم.. من الواجب قبل أن نهتم بالمواد التراثية أن لا ننسى الاهتمام بالموارد البشرية، وهذه الإشارات القوية التي سبق ذكرها موجهة لكل المغاربة وكأننا شعب ليست له ذاكرة ليست له موارد بشرية، علما أننا أغنى شعوب المنطقة ذاكرة وموارد بشرية، باعتراف الجميع أعني بذلك الأجانب والأشقاء العرب. وكما سبق القول فإن كل العاملين في الحقل الثقافي هم من ساهم في تدهور هذه الوضعية ابتداء من المسؤولين وصولا إلى الممارسين. فإذا ما أخذنا مثلا ما يوظف من مواد بالمعاهد الموسيقية الوطنية التابعة لوزارة الثقافة أو المجالس المحلية لا نجد فن الملحون إلا في بعض المدن وبشكل محتشم حيث لا تتوفر إمكانيات التعليم لأن الملحون هو علم قائم بذاته يلزمُهُ توفير مجموعة من الأدوات والوسائل والطاقات البشرية التي لها تكوين بيداغوجي خاص حتى يمكن تبليغ هذا الموروث الذي يعتبر ذاكرة المغاربة للمتلقي ـ تلاميذ وطلبة ـ بطرق أكاديمية محضة  مثلا شرح قياساته وبنيات قصائده.. والتشابه العروضي مع الشعر العربي الفصيح إلى غير ذلك..

هناك أيضا مجموعة من المسائل التي يجب على الوزارة الوصية أن تعمل على توظيفها داخل المعاهد الموسيقية، هذا بالنسبة للملحون..أما فيما يخص الفنون الأخرى فكل المعاهد المنتشرة عبر تراب المملكة يجب أن توظف الأنماط الموسيقية التي تنتمي إلى الجهة المتواجدة فيها فمثلا في مدينة مكناس يجب توظيف مادة الموسيقى العيساوية داخل المعهدين إلى جانب الفنون الأخرى التي تزخر بها جهة مكناس تافيلالت مثل فن أحيدوس وموسيقى الأطلس و اهل توات، المعلمة ، الموسيقى الحمدوشية والفن البلدي والدقة الفيلالية.. ومجموعة أخرى من الفنون التي هي الآن في الطريق نحو الانقراض..

ما هي الجدوى من إنشاء معهد موسيقي بمنطقة معينة، تصرف عليه أموال طائلة من المال العام إذا لم يقم بدور الحفاظ على خصوصيات المنطقة من تراث موسيقي أصيل.

فلو حصل هذا في جميع أنحاء مملكتنا الحبيبة، سنستطيع من خلاله أن نوثق لكل الفنانين و الشيوخ  و أمهر العازفين و غيرهم.. ما سيغني خزاناتنا الوطنية ويخلق عندنا ديوان التوثيق، وأنا أومن كباقي المخلصين لهذا الوطن الغالي أن هذا هو الغنى والثروة الحقيقيتان للوطن.

والمؤسف أنه الآن لا يوجد أي شيء من هذا القبيل..قنواتنا التلفزيونية نعلم كيف تتعامل مع التراث ـ إذا ما وقع عطب تقني أو صراع في البرلمان ـ يدرجون فقرة تراثية لملئ ما يعتبرونه فراغا..  الأغنية والرقصات الأمازيغية غير موظفة كما يجب توظيفها.. مجموعة من الأشكال التعبيرية التي أبدعها الإنسان المغربي لم تأخذ حقها، مهمشة على حساب فنون دخيلة وعلى حساب مجموعة من الأشياء..

س ـ عرفت مدينة مكناس نهضة ثقافية فنية خلال النصف الثاني من القرن الماضي و قد شهدنا على بعض من هذه النهضة ابتداء من الستينيات حيث تكون أول جوق للإذاعة والتفزة المغربية سنة 1963 برآسة المبدع الملحن الموسيقار محمد بن عبد السلام وصولا إلى التسعينيات لما كانت المدينة تعرف رواجا ثقافيا فنيا يتجلى في الملتقيات والأسابيع الثقافية والمهرجانات وغيرها.. ماساهم في خلق العديد من الفرق المسرحية والأجواق الموسيقية الرائدة ليس فقط في مدينة مكناس بل على المستوى الوطني على سبيل المثال لا الحصر:”رواد الخشبة “،” جوق الحاج الحسين التولالي”،” جوق الآلة للمعهد الوطني للموسيقى” والقائمة طويلة. . .

في رأيك أين تكمن أسباب التدهور الذي تعرفه مدينة مكناس في السنين الأخيرة؟

ج ـ لم تتدهور الأمور فقط في مدينة مكناس، بل في العديد من المدن والجهات، صحيح أن مدينة مكناس كانت إلى وقت غير بعيد عبارة عن متحف يضم العديد من الفنون، بل أن الفنون العصرية والملحون وموسيقى الآلة كانت تنتشر بشكل جميل حتى داخل المقاهي الشعبية المكناسية حتى أن أغلبية ساكنة مدينة مكناس كانت لا تذهب فقط إلى القهوة من أجل إحتساء القهوة و التفكير في المشاكل بل كانت المقاهي عبارة عن أندية لتناول القهوة والتثقيف و المثاقفة ومن أجل التغلب على المشاكل..

س ـ في خضم تجربتك داخل وخارج أرض الوطن، ما جديد سعيد المفتاحي؟

ج ـ الكل أصبح يعرف الصعوبات التي يعاني منها الإنتاج الفني و بالخصوص الفنان المغربي الذي يصطدم بعراقيل تعيق إخراج مجموعة من الإبداعات الراقية لإغناء الساحة الفنية لعوامل شتى، من بينها الدعم الغير مخصص للأنماط التراثية بالمغرب على غرار السينما و المسرح والموسيقى العصرية والكتاب ثم المرض الخطير الفتاك الذي هو القرصنة والذي يسيء للإبداع والمبدع المغربي وكذا الاقتصاد الوطني ..

ولكن رغم كل هذا تبقى النزعة كما يقال بالدارجة المغربة” الشوكة مدقوقة فينا” خصوصا المسؤولية التي حَمّـلها على عاتقنا الجمهور العاشق الذواق لكل الفنون الراقية في بلادنا ألا وهي إنتاج بعض الأعمال التي نؤمن بجودتها. وفي هذا الباب سبق و أصدرت مجموعتي الأخيرة الموسومة ب”الغريب” وهي موزعة الآن في بلدان المهجر ولم يكتب لها أن توزع في المغرب نظرا لما يشاع عن بلدنا من قرصنة في هذا المجال و هناك مجموعة أخرى موسومة ب” بين البارح واليوم ” وهي في طريقها نحو الإنتاج في بلاد المهجر أيضا ومجموعة أخرى تتضمن قصائد من عيون الملحون يتخللها شرح بلغة الدارجة المغربية الحديثة و لغة موليير، شارك في إنجاز هذا العمل المبدع و الباحث الأستاذ عبد المجيد فنيش و الأستاذ المسرحي يونس قنديل…

س ـ الملحوظ أن كل فنان يخوض غمار الملحون تغلبُ عليه نزعته الذاتية، ألم يحن الوقت لكي تجتمع جهود رجالات ونساء الملحون؟

ج ـ أصاب الفنان و الباحث الكبير الحاج أحمد سهوم لـمّا قال في قصيدة من روائعه: ” البحر إيل تفرق تيصير سواقي “. فالساقية يمكن أن تحولها معاول الفؤوس كما شاءت لكن البحر لا ..

فقد حان الوقت لأن تتضافر كل الجهود المتشتتة حتى يمكن أن نُـنقذ ما يمكن إنقاذه في مجال فن الملحون ولن يتسنى ذلك إلى من خلال مراجعة أنفسنا و التخلي عن نزعاتنا الشخصية و توحيد نظرتنا نحو هدف واحد حتى نصيب بسهامنا الخطر المحدق بهذا التراث العريق.

س ـ كلمة يمكن أن يوجهها سعيد المفتاحي من خلال هذا الحوار إلى أجيال المستقبل؟

ج ـ قبل توجيه كلمتي للأجيال الصاعدة لا بد من قول كلمة وفاء، فخلال السنوات الماضية و بالخصوص هذه السنة فقدت الساحة الوطنية مجموعة من جهابدة الفن والمبدعين الذين أغنوا بعطاءاتهم الساحة الفنية رحمة الله عليهم، وهنا يقول المثل المغربي ” اللي يبكي عليّ ،،يبكي عليّ وأنا حي ” وأيضا ” البكا مور الميت خصارة ” . فوفاء لهؤلاء العظماء أطلب أن نوثق لهُم وذلك بتسمية مجموعة من الفضاءات الثقافية والفنية بأسمائهم والاهتمام بالمبدعين الذين يعيشون و يشتغلون في صمت بيننا رحم الله من منهم رحلوا و أطال الله عمر الباقين منهم.

و أقول لشبابنا و فلذات أكبادنا وحفاظا على أن يكون لهم ذوق مغربي راق أصيل إن الفنان ليس هو من يمارس شكلا من الأشكال الإبداعية الدخيلة، بل الفنان الحقيقي هو من يتمسك بخصوصية بلده ويتعامل مع الفنون التي تضمن لنا حضارتنا و تميزنا عن الآخر، وهو الذي يحمل في نفس الوقت رسائل نـُبلِِ وأخلاق سامية ببصمة مغربية تدعوا إلى التعايش واحترام الآخر وحب الوطن.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى