
سناء الكوط
احتضن فضاء السعادة، اليوم الأربعاء، مائدة فكرية وثقافية حول «الذكر العيساوي: أصالة التصوف وعمق المواطنة وتوثيق الذاكرة الروحية»، وذلك في إطار نقاش يروم تسليط الضوء على مكانة التراث العيساوي ضمن مكونات الذاكرة الروحية والثقافية المغربية، واستحضار التحديات المرتبطة بالحفاظ على أصالته وضمان استمراريته ونقله إلى الأجيال القادمة.
ونظمت هذه الندوة من طرف مختبر القصبة للدراسات والتدريب والإعلام وأكاديمية قصبة هدراش لإحياء التراث المادي واللامادي، بشراكة مع حفدة الشيخ الكامل، وذلك بمناسبة مرور خمسة عشر قرنا على ميلاد النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وشكلت مناسبة لفتح نقاش متعدد الأبعاد حول التراث العيساوي، ليس باعتباره مجرد ممارسة فنية أو فولكلورية، وإنما باعتباره موروثا روحيا وثقافيا يحمل دلالات صوفية وتربوية واجتماعية.
وتناول المتدخلون خلال الندوة عددا من القضايا المرتبطة بالذكر العيساوي، وفي مقدمتها أصالة الممارسة الصوفية،والتراث العيساوي بين أصالة الممارسة وإكراهات الاستدامة ،وعمق المواطنة، وأهمية التوثيق في صون الذاكرة العيساوية، إلى جانب التحديات التي يفرضها التحول الاجتماعي والثقافي المتسارع على هذا الموروث.
وقد أطر الندوة كل من ذ. عبد الرزاق البناي، وذ. محسن الأكرمين، وذ. عزيز العماشي، وذ. علي زيان، حيث قدم كل متدخل مقاربة خاصة للموضوع، انطلاقا من المحاور المرتبطة بالتراث والتصوف والذاكرة الثقافية.
وانصب النقاش حول ضرورة الحفاظ على الهوية الروحية للطريقة العيساوية، بما يضمن استمرار الممارسة في إطارها الأصيل، مع الانفتاح في الوقت ذاته على آليات التوثيق والتعريف والتثمين الثقافي، بما لا يفقدها خصوصيتها الروحية والتربوية.
كما توقف المتدخلون عند البعد الإنساني والاجتماعي للذكر العيساوي، باعتباره حاملا لقيم المحبة والتالف والتلاحم والانتماء، وهي قيم تجعل من هذا التراث جزءا من الذاكرة الجماعية، وقادرا على الإسهام في ترسيخ ثقافة المواطنة وتعزيز الصلة بالهوية الثقافية المغربية.
وفي هذا السياق، برزت مسألة التوثيق باعتبارها إحدى الاليات الأساسية لحماية التراث العيساوي من الاندثار أو الاختزال في مظهر احتفالي فقط، وذلك من خلال جمع الروايات الشفوية، وتوثيق الممارسات والأذكار، والاشتغال على الذاكرة المرتبطة برجالات الطريقة ومريديها ومجالات انتشارها.
وقد تولى تسيير أشغال المائدة الفكرية الإعلامي توفيق أجانا، الذي أدار النقاش بين المتدخلين والحضور، في لقاء سعى إلى تجاوز النظرة الاختزالية للتراث العيساوي، وطرح أسئلة مرتبطة بمستقبله وسبل حمايته وتثمينه.
وتندرج هذه المبادرة ضمن الجهود الرامية إلى إعادة الاعتبار للتراث الروحي المغربي، وجعل التوثيق والحوار العلمي مدخلا أساسيا لصون الذاكرة الثقافية، بما يضمن استمرار الموروث العيساوي بوصفه رافدا من روافد التراث المغربي، وذاكرة حية تتقاطع فيها أبعاد التصوف والثقافة والمواطنة.
وفي هذا السياق، يواصل مختبر القصبة للدراسات والتدريب والإعلام وأكاديمية قصبة هدراش لإحياء التراث المادي واللامادي الاشتغال على الموروث العيساوي، من خلال العمل على توثيقه وجمع مادته الشفوية والمكتوبة، ورصد ممارساته وذاكرته الروحية، بما يسهم في صون هذا التراث وحمايته من الاندثار. كما تتجه المؤسستان نحو إحداث «أكاديمية التراث العيساوي»، باعتبارها فضاء علميا وثقافيا يعنى بالبحث والتوثيق والتكوين والتعريف بالموروث العيساوي، ويفتح المجال أمام الباحثين والممارسين وحملة الذاكرة للمساهمة في حفظه ونقله إلى الأجيال القادمة.















