ثقافة وفن

مهرجان عيساوة بمكناس… مشروع ثقافي برؤية عالمية ورهان على تثمين التراث اللامادي تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة

جمع المعطيات: رشيد آيت بويعلي | تحليل وصياغة: توفيق أجانا

في إطار مواكبة الاستعدادات للدورة السادسة من مهرجان عيساوة بمكناس، التي حظيت بالرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، خصصت إذاعة ميدينا FM، اليوم، برنامجا خاصا من إعداد وتقديم الإعلامي عثمان بنحمي، استضاف كلا من الدكتور إدريس ديداح، المدير العام للمهرجان، والدكتور سعيد الخمسي، المدير الإعلامي للمهرجان، حيث سلطا الضوء على فلسفة المهرجان ورهاناته الثقافية والتنموية، باعتباره مشروعا استراتيجيا يروم تثمين التراث العيساوي، وتعزيز إشعاع مدينة مكناس وطنيا ودوليا، وترسيخ مكانتها كإحدى أهم الحواضر التاريخية والثقافية بالمملكة.

وأكد ضيفا البرنامج أن الرعاية السامية التي حظيت بها الدورة السادسة تشكل محطة مفصلية في مسار المهرجان، وتعكس العناية المولوية السامية التي يوليها جلالة الملك للتراث المغربي الأصيل، وللموروث الصوفي باعتباره أحد المكونات الأساسية للهوية المغربية، كما تمنح دفعة قوية لمواصلة تطوير هذا المشروع الثقافي نحو آفاق أوسع.

وأوضح الدكتور إدريس ديداح أن مهرجان عيساوة لم يعد مجرد تظاهرة فنية، بل أصبح مشروعا ثقافيا متكاملا يقوم على ثلاثة محاور رئيسية هي: البعد العلمي، والبعد الفني، والبعد الإعلامي، بهدف تثمين وتأهيل التراث العيساوي، والمحافظة عليه، والعمل على نقله إلى العالمية.

وأضاف أن الإعداد لكل دورة يبدأ مباشرة بعد إسدال الستار على الدورة السابقة، حيث تمتد فترة التحضير ما بين ستة وسبعة أشهر، من خلال عمل مؤسساتي تشارك فيه أقطاب متعددة تشمل الإدارة والإعلام والبرمجة واللوجستيك والتواصل والعلاقات العامة، وذلك تحت إشراف لجنة قيادة تضم مختلف الشركاء، وعلى رأسهم عامل عمالة مكناس، ورئيس مجلس جهة فاس-مكناس، وباقي المتدخلين، حيث يتم تقييم الدورة المنصرمة، ورصد مكامن القوة والضعف، قبل منح إدارة المهرجان الضوء الأخضر للشروع في تنفيذ البرنامج الجديد.

وأشار إلى أن الدورة الحالية تحمل شعار “التصوف ووحدة المملكة”، انسجاما مع المستجدات الوطنية، وخاصة الانتصار التاريخي الذي حققته المملكة في قضية وحدتها الترابية، مبرزا أن التصوف والزوايا المغربية لعبت عبر التاريخ أدوارا محورية في توحيد البلاد وترسيخ البيعة وإمارة المؤمنين، وهو ما ستتناوله الندوات العلمية بمشاركة نخبة من الباحثين والمفكرين.

وأكد أن مدينة مكناس ستكون أول مدينة تحتفي بعيد الوحدة في إطار هذا التصور الثقافي، من خلال إبراز العلاقة التاريخية بين التصوف والوحدة الترابية، والدور الذي اضطلعت به الزوايا والطرق الصوفية في الدفاع عن الثوابت الوطنية.

وكشف المدير العام للمهرجان أن الدورة السادسة ستعرف مشاركة 64 طائفة عيساوية، تضم حوالي 1200 مقدم ومعلم، يشكل أبناء مكناس أكثر من 60 في المائة منهم، وهو ما يعكس المكانة التاريخية للمدينة باعتبارها الحاضنة الأولى لهذا الفن الروحي العريق.

وأضاف أن البرنامج الفني سيشهد حضور فنانين مغاربة وعرب، من بينهم الفنان اللبناني وائل جسار، الذي سيؤدي أغنية عيساوية، إلى جانب عروض تمزج بين المالوف التونسي والحضرة المغربية، في خطوة تروم تقريب هذا التراث من جمهور عربي ودولي، وإبراز قدرته على الانفتاح دون التفريط في أصالته.

كما أعلن أن فضاءات العروض ستتوزع بين ساحة الهديم، وصهريج السواني، ولاكورا، والساحة الإدارية، التي ستحتضن منصة كبرى، فضلا عن تنظيم أكبر تجمع للطوائف العيساوية بمشاركة أكثر من مائتي مقدم في عروض جماعية غير مسبوقة.

وفي الجانب العلمي والثقافي، أوضح ديداح أن المهرجان سيحتضن لأول مرة معرضا للتراث بشراكة مع الجمعية الملكية للمسكوكات، يضم قطعا وتحفا ووثائق تاريخية نادرة، من بينها الوثيقة التاريخية الخاصة باعتراف المملكة المغربية بالولايات المتحدة الأمريكية، في مبادرة تروم ربط المهرجان بالذاكرة الوطنية والتاريخية للمملكة.

كما شدد على أن إدارة المهرجان تشتغل على مشروع هيكلة الطوائف العيساوية، وإحداث أكاديمية خاصة بعيساوة لتكوين الأجيال الجديدة، مع الانفتاح على كل الشباب الراغبين في تعلم هذا الفن، باعتبار أن التراث لا يزال حيا ويحتاج إلى التجديد والاستمرار.

من جانبه، أكد الدكتور سعيد الخمسي أن مهرجان عيساوة أصبح رافعة حقيقية لتنمية مدينة مكناس والمنطقة، موضحا أن أثره لا يقاس فقط بالحفلات، بل بما يحققه من إشعاع ثقافي وسياحي واقتصادي ومؤسساتي، وبقدرته على تغيير الصورة الذهنية عن المدينة.

وأضاف أن المهرجانات هي روح المدن، وأن التراث اللامادي أصبح اليوم أحد أهم أدوات التنمية، معتبرا أن “مكناس تساوي عيساوة، وعيساوة تساوي مكناس”، لأن هذا التراث يمثل أحد أبرز عناصر الشخصية الثقافية للمدينة.

وأشار إلى أن مدينة مكناس تزخر بما يقارب ثلث الماثر التاريخية بالمغرب، وهو ما يجعلها مؤهلة لاحتلال مكانة دولية مماثلة لما حققته مدن مثل الصويرة من خلال مهرجان كناوة، أو الرباط من خلال مهرجان موازين، مؤكدا أن مهرجان عيساوة قادر على أن يكون رافعة حقيقية تضع العاصمة الإسماعيلية في مصاف المدن الثقافية العالمية.

وفي الجانب الإعلامي، أبرز الخمسي أن إدارة المهرجان تعتمد استراتيجية تسويق إعلامي واسعة، ترتكز على مخاطبة مئات المؤسسات الإعلامية الوطنية والدولية، وإنتاج محتوى رقمي يبرز مؤهلات المدينة، موضحا أن الدورة السابقة مكنت مكناس من احتلال المرتبة السابعة ضمن المواضيع الأكثر تداولا على محرك “غوغل”، كما واكبها نشر أكثر من 300 مقال في مختلف المنابر الإعلامية.

وأضاف أن الهدف ليس تنظيم مهرجان فحسب، بل جعل العالم يتحدث عن مكناس، مؤكدا أن نجاح المهرجان يقاس بقدرته على استقطاب السياح والمهتمين بالثقافة الصوفية، وإبراز المؤهلات الحضارية للمدينة، وإقناع الزائر بحبها حتى قبل أن يزورها.

وأشار إلى أن النجاح الحقيقي يتمثل في مساهمة المهرجان في تسويق المدينة، وجعل أبنائها يدافعون عنها بكل فخر، داعيا الجميع إلى الانخراط في إنجاح هذا الموعد الثقافي، وترك التقييم للجمهور وللتاريخ.

وتوقف المتدخلان عند أهمية تكريم الحرفيين والصناع التقليديين، باعتبارهم جزءا من المنظومة الثقافية المرتبطة بالتراث العيساوي، مؤكدين أن الفن والثقافة يمثلان ثروة اقتصادية حقيقية، كما هو الحال في عدد من الدول التي جعلت من صناعاتها الثقافية رافعة للتنمية.

كما أكدا أن التراث العيساوي يمتلك إمكانيات كبيرة لخلق آلاف فرص الشغل في المجالات الفنية والثقافية، وأن الرهان المستقبلي يتمثل في تسويق هذا التراث وطنيا ودوليا، والعمل على الاعتراف به كتراث عالمي.

وفي معرض حديثهما عن البعد المجتمعي، أشاد ضيفا البرنامج بالانخراط الكبير لساكنة مكناس خلال الدورة الماضية، والتي مرت في أجواء آمنة، حيث تم تسجيل صفر حادث وصفر مشكل، معتبرين أن هذا النجاح كان ثمرة وعي المواطنين، وتعاون السلطات المحلية والأمنية ومختلف الشركاء، مؤكدين أن المهرجان ملك لجميع المكناسيين.

كما شددا على أن الرقمنة والذكاء الاصطناعي، رغم تطورهما، لن يستطيعا تعويض روح الأداء العيساوي الأصيل، ولا خصوصية نغمات آلة الغيطة، التي تظل جزءا من هوية هذا الفن المغربي العريق.

واختتم البرنامج بالتأكيد على أن مهرجان عيساوة أصبح موعدا ثقافيا وطنيا ثابتا، ومشروعا حضاريا يتجاوز حدود العروض الفنية، ليجسد رؤية متكاملة قوامها تثمين التراث اللامادي، وصون الهوية المغربية، وتعزيز إشعاع مدينة مكناس، بما ينسجم مع التوجيهات الملكية السامية الرامية إلى صيانة الموروث الثقافي الوطني وجعله رافعة للتنمية والإشعاع الدولي.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى