
لم تعد الدار البيضاء تكتفي بمكانتها كعاصمة اقتصادية نابضة بالحياة، بل أخذت خلال السنوات الأخيرة مسارا علميا لافتا جعلها محط أنظار الباحثين في مجالي علم الحفريات والآثار. فبفضل اكتشافات نوعية وتحريات ميدانية متقدمة، بدأت المدينة تفرض نفسها تدريجيا كقطب دولي في دراسة أصول الإنسان، وهو ما تعزز بشكل خاص بعد الإعلان، في يناير الماضي، عن العثور على أحفورات بشرية تعود إلى نحو 773 ألف سنة بمقلع طوما 1، في اكتشاف أثار اهتمام الأوساط العلمية العالمية.
وقد كشفت التنقيبات عن بقايا بشرية متحجرة متميزة، تشمل ثلاثة فكوك، أحدها لطفل صغير، إلى جانب فقرات وأسنان وعظم فخذ يحمل آثار افتراس، ما يقدم معطيات دقيقة حول الحياة البشرية القديمة. وتشير التحليلات المورفولوجية إلى أن هذه البقايا تمثل حلقة أساسية في مسار تطور الإنسان، خاصة في ما يتعلق بأصول الإنسان العاقل بإفريقيا ونظرائه في أوراسيا. وقد حظي هذا الاكتشاف بنشر علمي مرموق في مجلة Nature، كما استقطب اهتمام منصات عالمية مثل National Geographic وScientific American، ما يعكس أهميته العلمية المتزايدة.
ولا يقف الأمر عند حدود هذا الاكتشاف، بل يعكس زخما بحثيا متواصلا تقوده فرق علمية دولية ضمن برنامج “ما قبل تاريخ الدار البيضاء”، الذي يشرف عليه المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث بشراكات دولية. وتوفر التكوينات الجيولوجية الفريدة للمنطقة، الممتدة على ملايين السنين، بيئة استثنائية لفهم تطور الإنسان المبكر. ومع استمرار الأبحاث المرتقبة، خاصة خلال البعثات القادمة، تتعزز مكانة الدار البيضاء كأحد أبرز المختبرات الطبيعية لفك ألغاز التاريخ العميق للبشرية، وكموقع مرجعي يدعم بقوة فرضية الأصل الإفريقي للإنسان.















