ثقافة وفن

استصنام الخيار الحزبي

الخطأ الاول من الأخطاء الستة للحركة الإسلامية بالمغرب للدكتور فريد الانصاري رحمه الله

إن اتخاذ “حزب” سياسي” كان أكبر خطيئة وقعت فيها الحركة الإسلامية بالمغرب لقد صار الإسلاميون يشتغلون في الشك، وقد كانوا – من قبل – يشتغلون في اليقين وكانوا إلى الإخلاص في الأعمال أقرب، ثم صاروا إلى خلط مبين فانتقلوا بذلك من مقاصد العبادات إلى مقاصد العادات ألهاهم التلميع والتسميع وانخرط كثير منهم في الحزب على حَرْف تماماً كــر مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْف فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ! ) (الحج: 11). إن اتخاذ “الحزب” في العمل الإسلامي هو أشبه ما يكون بـ”اتخاذ العجل” في قصة بني إسرائيل إنه ما أن أمضت الحركة الإسلامية قرار “المشاركة السياسية”، حتى تطور ذلك القرار بشكل سرطاني – باندفاع ذاتي، ودفع من جهات أخرى – من مجرد “مشاركة” إلى صورة تضخم سياسي، أتى على الأخضر واليابس من منجزات العمل الإسلامي، في موارده البشرية ومكتسباته الدينية في المجتمع العام.

لقد كان يوم إعلان اتخاذ حزب سياسي واجهة للعمل الإسلامي بالمغرب هو يوم إعلان وفاة الحركة الدعوية، وبداية العد العكسي المنحدر نحو نهاية “أطروحة العمل الإسلامي” بشموليته الكلية، وهويته الإسلامية! إن العمل الإسلامي في الأصل هو عمل تجديدي للدين بالدرجة الأولى؛ بناء على الحديث المشهور ، من قول رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إنَّ اللهَ يَبْعَثُ لهذه الأمة عَلَى رَأسِ كُلِّ مِائَةٍ سَنَةٍ مَنْ يُحَدِّدُ لَهَا دينَهَا . )

وما “الدين” إذا لم يكن هو هذا الإيمان الذي يربط العباد بالحقائق الغيبية؛ إيمانا بالله وباليوم الآخر؟ وما تفرع عنهما من حقائق إيمانية أخرى، ثم ما تقرر في أصول الإسلام من وجوب الدخول في أمهات العبادات والتنزه عن كبائر الخطيئات؛ طلبا للفوز بجنات هذا النعيم والنجاة من عذاب الجحيم! أساس خطاب القرآن، وهذا هو أول ما ينبغي العمل على تجديده في النفس وفي المجتمع، وكل ما سواه ، من أمور الشأن العام إنما هو تبع له والعكس غير صحيح .

وكل ذلك لا يكون إلا بوجود قوم صادقين يجتهدون أولا في التحلق بتلك الأعمال فعلا وتركا على درجة من العلم والصلاح تؤهلهم لمخاطبة عامة الناس من الشاردين والجاهلين. وذلك لا يكون إلا بأخذ كتاب الله بقوة والدخول في تعلم بياناته النبوية، على مدارج التزكية والتعليم (لَقَدْ مَنَّ اللَّه عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسهمْ يَتْلُو عَلَيْهم آياته ويزكيهم ويُعَلِّمُهُمُ الكتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ (آل عمران: 164).

وعلى هذا تأسس العمل الإسلامي بالمغرب ابتداء، فكان عطاؤه الأول جيلا من الخيرات والبركات. ثم جاء الحزب السياسي فأتى على ذلك جميعا ! تماما كما دَمَّرَ “السَّامرِيُّ” كُلُّ الرصيد الإيماني لبني إسرائيل، بعد غيبة موسى؛ عندما صنع لهم – من الذهب – جسداً، عجلاً له حُوَارٌ ، فظلوا عليه عاكفين قال تعالى: (وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيهِمْ عِبْلاً جَسَداً لَّهُ خَوَارٌ. أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلَاَ يَهْدِيهِمْ سَبيلاً . اتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَالمينَ) (الأعراف: 148). نعم، لقد كان الحزب فتنةً حقيقية للإسلاميين، كما كان العجل فتنة لبني إسرائيل! وللذهب بريقٌ مادي فنان في قصة بني إسرائيل، كما أن لــه بريقا معنويا وماديا…

يتبع…

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى