
توفيق اجانا
في مدينة أگوراي، الواقعة في النفوذ الترابي لعمالة مكناس، تزداد أزمة الماء حدّة يوماً بعد يوم، في ظل صمت رسمي يُثير الكثير من التساؤلات. مشاهد الاحتجاجات السلمية التي بثها نشطاء عبر وسائل التواصل الاجتماعي كشفت معاناة ساكنة تئنّ تحت وطأة العطش، حيث لم تعد المياه تصل إلى بيوتهم بالشكل الكافي، بينما تزداد حرارة الصيف وتضيق سبل الحياة.
يتحدث أحد المحتجين في فيديو تم تداوله على نطاق واسع، بلهجة الغضب والألم، مؤكداً أن الساكنة سبق لها أن رفعت مذكرة احتجاجية مفصلة منذ سنة 2023، لم تكن عبارة عن مجرد صرخة في الفراغ، بل وثيقة من أربع صفحات تضمنت تشخيصاً دقيقاً للوضع، ومطلباً وحيداً واضحاً: من أجل حل أزمة الماء. الوثيقة تم توجيهها إلى المجلس الجماعي لأگوراي وإلى عامل عمالة مكناس.
في خضم هذا الصمت، تتوسع دائرة الاتهام. الساكنة لا تُحمّل المسؤولية فقط للمجلس الجماعي، بل تشمل أيضاً المجلس الإقليمي لعمالة مكناس والمجلس الجهوي لجهة فاس مكناس، في إشارة واضحة إلى فشل جماعي في تدبير مشكل يُفترض أن يكون من أولويات أي مسؤول محلي أو إقليمي أو جهوي. فمن يتحمل حقاً مسؤولية هذا العجز؟ أهو ضعف الإرادة السياسية؟ أم غياب التنسيق بين مختلف المؤسسات؟ أم أن المسألة أعمق وترتبط بعقليات لم تعد تواكب حاجيات المجتمع المحلي؟
ما يزيد من عمق الأزمة، هو ما صرّح به أحد المحتجين، حين أشار إلى أنه في سنة 2024، وخلال إحدى دورات المجلس، تمت المصادقة على تخصيص مبلغ 32 مليون سنتيم لحفر بئر أو بئرين أو حتى ثلاثة، حسب التقديرات. هذا المبلغ كان من المفترض أن يشكّل انفراجاً نسبياً، غير أن الساكنة اليوم لا ترى شيئاً من ذلك على أرض الواقع. لماذا لم يتم إنجاز هذا المشروع رغم المصادقة عليه؟ وأين هي أجهزة التتبع والمحاسبة؟ أسئلة مشروعة تطرح نفسها بإلحاح، وتفضح خللاً هيكلياً في الحكامة المحلية.
ما يُثير السخرية السوداء في شهادات الساكنة هو تلك المفارقة القاسية التي رددها أحدهم: “عندنا البيار تسقى منه الأشجار والبصل والتومة، والشعب ما عندوش ما يشرب”. ألا يكشف هذا الوضع عن غياب رؤية عادلة في تدبير الموارد المائية؟
وسط هذه الصورة القاتمة، تعود إلى الأذهان أسماء عريقة مثل “العين البرانية” أو “عين السلطان”، التي لطالما ارتبطت بتاريخ أگوراي وذاكرتها. لكنّ هذه الرمزية لم تعد ربما كافية لتروي العطش الجماعي. فهل جفّت تلك العيون فعلاً، أم جفّت معها نوايا الإصلاح؟ وهل بقي للساكنة أمل في أن تُنصت إليهم المؤسسات المعنية، قبل أن تتحول أزمة الماء إلى فتيل انفجار اجتماعي؟
أسئلة مؤلمة، لكنها مشروعة. والإجابة عنها لا تكمن في البلاغات الرسمية أو الشعارات الفضفاضة، بل في الأفعال والإجراءات التي طال انتظارها، والتي تأخرت كثيراً، وقد تتأخر أكثر إن لم تتحمل كل جهة مسؤوليتها أمام التاريخ وأمام الساكنة.
تنويه تحريري: هذا المقال مبني على معطيات ميدانية وتصريحات صادرة عن ساكنة مدينة أگوراي تم تداولها علناً عبر منصات التواصل الاجتماعي.
ويُؤكد الموقع أن حق الرد مكفول قانوناً، وستُنشر أي توضيحات أو ردود تُقدم من الجهات المعنية بنفس المساحة وعدد الكلمات وعلى نفس المنصة، احتراماً لأخلاقيات المهنة ومقتضيات قانون الصحافة والنشر.















