
رواية “نَفَسُ الله” لعبد السلام بوطيب هي العمل الروائي الثاني للكاتب، وتقدم تجربة سردية فريدة تتعمق في عوالم الذاكرة والنسيان. تفتح الرواية أبواب رحلة متشابكة بين ماضي يسعى للاستمرار وحاضر يحاول تشكيل ملامحه وسط تغيرات مستمرة، مما يعكس اهتمام بوطيب بقضايا العدالة الانتقالية والذاكرة المشتركة.
البطل أحمد، الذي يواجه تحديات لاستعادة ذاكرته المفقودة بعد حادث غامض، ينغمس في صراع جذري ينتمي إلى حقبة صعبة من التاريخ المغربي. تتشابك الجراح والأسرار، حيث يصبح الماضي مجالًا للصراع بين من يسعى لاسترجاعه ومن يخشى من تأثيره. شخصية زوجته، التي حاولت طمس ذكرياتها، تجد نفسها في صراع وجودي يدفعها لمنع أحمد من استعادة ذاكرته، مدفوعة بخوف من تهديد استقرار عائلتها. بينما جلجل، الذي يمثل الحارس للقيم، يبحث عن أمه ويخفي جراحه الخاصة، مما يجعلهما يجتمعان في حرب الذاكرات الفردية والجمعية.
يسلط الكاتب الضوء على تفكك الهويات القديمة ونشوء هويات جديدة، حيث يعيد الأبطال تعريف أنفسهم بطرق غير متوقعة. أحمد يتحول من ضحية إلى مؤرخ وخبير في العدالة الانتقالية، بينما تحتفظ زوجته بأسمائها المتعددة في سعيها للتكيف مع هويتها الجديدة.
لكن بوطيب لا يقتصر على السرد الشخصي، بل يعرض رؤية أوسع تعكس الأسئلة الجوانية التي تهم مجتمع المغرب المتحول. يستكشف الذاكرة الجماعية والتوترات بين الأجيال، والعلاقة بين السلطة وقيم الحكم، وتصدع البنى الاجتماعية في ظل التغيرات السريعة. عبر شخصيات تعكس نماذج اجتماعية مختلفة، يطرح الكاتب أسئلة تشمل جوانب أعمق تتعلق بالذاكرة والتاريخ والنسيان.
رواية “نَفَسُ الله” تتجاوز التوثيق التاريخي لتكون تجربة وجودية غنية، تأخذنا في رحلة عبر ذاكرة شخصياتها وتاريخ مجتمع بأسره. بأسلوب أدبي مشوق، يقودنا بوطيب بأسئلته حول العدالة وحقوق الإنسان إلى أبعاد جديدة من السرد، حيث تتداخل الأسئلة الحادة في سياق تاريخ أمة عانت من أزمات كبيرة، مما يمنحنا فرصة للتأمل وعدم الانغماس في سرد تقليدي. تتنقل الضمائر بين المتكلم والغائب والمخاطب، لتبرز تعدد الأصوات وتفتح الحوار حول الذات والآخر، الماضي والحاضر، في ظل هوية مرنة تتجاوب مع التحولات الإنسانية والزمنية.















