توفيق اجانا
في الوقت الذي جعل فيه صاحب الجلالة الملك محمد السادس التنمية البشرية في صلب المشروع المجتمعي المغربي، وأطلق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية باعتبارها ورشا استراتيجيا لمحاربة الإقصاء والهشاشة وتقوية الرأسمال البشري، يطرح وضع المركز السوسيوثقافي بباب بردعين بمدينة مكناس أكثر من علامة استفهام حول مصير بعض المشاريع التي أنشئت لخدمة المواطنين، لكنها وجدت نفسها أمام إكراهات عطلت أداءها الطبيعي.
فمن غير المقبول أن يظل مركز اجتماعي وثقافي أنجز بأموال عمومية وفي إطار برامج تنموية موجهة للساكنة، بدون ماء ولا كهرباء لمدة تقارب ثلاث سنوات. وهي مدة طويلة كان من شأنها أن تؤدي إلى توقف كامل لهذا المرفق الحيوي وحرمان الساكنة من خدماته وأنشطته.
السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: كيف يمكن لمركز سوسيوثقافي أن يؤدي أدواره في التكوين والتأطير والتنشيط الثقافي والاجتماعي، وهو محروم من أبسط شروط الاشتغال؟ وكيف يمكن الحديث عن التنمية البشرية داخل المدينة العتيقة التي تحتاج إلى فضاءات للتأطير والتكوين والإدماج الاجتماعي، في حين أن هذا المرفق يواجه صعوبات مرتبطة بغياب خدمات أساسية لا غنى عنها؟
غير أن الإنصاف يقتضي الإشارة إلى أن المجلس الإداري السابق المسير للمركز لم يستسلم لهذا الواقع، ولم يقف مكتوف الأيدي أمام هذه الأزمة، بل رفع تحدي الاستمرار رغم الظروف الصعبة، وسعى إلى إيجاد حلول بديلة لضمان عدم توقف البرامج التكوينية والأنشطة الموجهة لفائدة المستفيدين.
وفي هذا الإطار، تم اقتناء مولد كهربائي من أجل تأمين الحد الأدنى من ظروف الاشتغال، ما مكن من مواصلة عدد من الأنشطة التكوينية واستكمال الموسمين التكوينيين 2023/2024 و2024/2025 رغم غياب الماء والكهرباء. وقد أتاح ذلك للمستفيدين متابعة تكوينهم في ظروف صعبة والحصول على الدبلومات والشهادات المستحقة في نهاية كل موسم تكويني. وهي خطوة تحسب للمجلس الإداري السابق والقائمين على تسيير المركز، وتعكس روح المسؤولية والإصرار على ضمان استمرارية هذا المرفق الاجتماعي رغم الإكراهات الكبيرة التي واجهها.
غير أن المجهودات الكبيرة التي بذلها المجلس الإداري السابق في تدبير هذه الأزمة والتخفيف من آثارها، رغم محدودية الإمكانيات، لا تلغي جوهر الإشكال القائم، بل تكشف حجم المعاناة التي عاشها المركز منذ سنة 2023. فالحلول المؤقتة التي تم اعتمادها ضمنت استمرارية التكوين وتمكين المستفيدين من الحصول على شواهدهم ودبلوماتهم، في غياب معالجة الاشكال الحقيقي . وهو وضع ما زالت تداعياته مطروحة إلى اليوم، في انتظار تدخل حاسم يضع حدا لوضعية لا تليق بمرفق أنجز في إطار المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، ولا بالأهداف التنموية التي أحدث من أجلها.
وإذا كان المجلس الإداري السابق قد واجه هذه الأزمة وبذل جهودا استثنائية لضمان استمرارية المركز وخدماته، فإن المجلس الإداري الجديد يجد نفسه اليوم أمام التحديات نفسها والإكراهات ذاتها، في ظل استمرار مشكل غياب الماء والكهرباء. وهو ما يعني أن المعاناة لم تكن مرتبطة بمرحلة تدبيرية معينة، بل أصبحت أزمة هيكلية متواصلة انتقلت من مجلس إداري إلى آخر، دون أن تجد طريقها إلى الحل النهائي. الأمر الذي يطرح مجددا سؤال التدخل العاجل للجهات المعنية من أجل إنقاذ هذا المرفق وضمان استمرارية رسالته التنموية والاجتماعية.
لكن هذا المعطى يطرح سؤالا أكثر عمقا: إذا كان المجلس المسير السابق قد تمكن بإمكانياته المحدودة من إيجاد حلول مؤقتة، فأين هي الحلول الدائمة التي كان من المفترض أن توفرها الجهات المعنية؟ ولماذا استمرت هذه الوضعية الاستثنائية لسنوات دون معالجة جذرية؟
ومن هنا يبرز سؤال المسؤولية: من يتحمل مسؤولية استمرار هذا الوضع؟ هل هي الجهة المكلفة بالتسيير؟ أم الجهة المالكة للمرفق؟ أم مصالح اخرى؟ أم مختلف المتدخلين الذين يفترض فيهم تتبع وضعية هذا المركز وضمان استمرارية خدماته؟
كما أن دور السلطات الترابية يظل مطروحا بقوة في هذا الملف، باعتبارها شريكا أساسيا في تتبع قضايا التنمية المحلية والسهر على حسن سير المرافق ذات الطابع الاجتماعي. فمن غير المعقول أن يستمر وضع غير طبيعي لمدة تقارب ثلاث سنوات دون إيجاد حلول عملية ومستعجلة تعيد للمركز ظروف اشتغاله العادية.
إن المبادرة الوطنية للتنمية البشرية ليست مجرد بنايات وإسمنت، بل هي رؤية ملكية تقوم على تمكين الإنسان وتوفير الظروف الملائمة للإدماج والتنمية وتحسين جودة الحياة. لذلك فإن أي تعثر يطال استمرارية المرافق المنجزة في إطار هذه المبادرة يستدعي وقفة تأمل ومراجعة وتدخلا سريعا لضمان تحقيق الأهداف التي أنشئت من أجلها.
واليوم، لم يعد المطلوب تبادل المسؤوليات أو الاكتفاء بالتبريرات، بل البحث عن حلول عملية ونهائية تضمن إعادة ربط المركز بالماء والكهرباء بشكل مستدام، حتى يتمكن من أداء رسالته كاملة في خدمة شباب ونساء وأطفال المدينة العتيقة.
إن ساكنة المدينة العتيقة من حقها أن تتساءل: كيف لمرفق أنشئ لخدمة التنمية البشرية أن يواجه كل هذه الصعوبات لسنوات؟ ومن المسؤول عن تأخر الحلول؟ والأهم من ذلك، متى سيستعيد هذا المركز جميع شروط الاشتغال التي تمكنه من أداء رسالته التنموية على الوجه المطلوب؟
أسئلة مشروعة تنتظر أجوبة واضحة، لأن نجاح المشاريع التنموية لا يقاس فقط بإنجاز البنايات، بل بضمان استمرارية خدماتها وتحقيق الأثر الذي أنشئت من أجله، في إطار ربط المسؤولية بالمحاسبة وخدمة الصالح العام.
يتبع… والتفاصيل صادمة.



