مجتمع

تمام الإدراك

الدكتور محمد طاوسي

إن من تمام نعم الله تعالى على عبده أن يخلق سبحانه و ينسب إلى عبده ، فلا يحسبن احد أن نفسه هي التي تأخذه إلى فعل الخيرات بل هو الله سبحانه من ألهم تلك القلوب لفعل تلك الخيرات لحبه لتلك القلوب ، فالله تعالى هو من يصنع العبد و يصنع ما يفعل ذلك العبد قال تعالى لموسى عليه السلام” و اصطنعتك لنفسي ” فصناعة الله هي ابدع صناعة و أجلها .
و إن من تمام العبر التي يجب أن يفهمها العبد عن مولاه أنه يمكن تغيير المستقبل إذا تمكن من تغيير ما بنفسه من عادات جارفة و ذهنية رعوية و من أنانية مستعلية على العباد و البلاد ، عندها بالتأكيد سيتغير الوضع و يتغير الحال ، فما يملكه العبد هو غيض من فيض في آلاء الله و نعمه سبحانه ، و ما لا يملكه العبد فهو من حكمة الله و فضله ، و الأصل أن العبد يغير حاله بتغيير ما فيه من حال إلى أحسنه .
و إن من أفضل الدروس التي يمكن أن يتعلمها العبد في الحياة هي اتقان المحافظة على هدوء النفس ، و الحرص على ٱطمئنان القلب ، و القدرة على رفعة الروح ، فما الحكمة و الرحمة إلا من الانجماع التام على الذات باحتضانها و التفاؤل بها ، فما الهموم كلها إلا كالغيوم ما تراكمت إلا أمطرت ، و الذوات كالحقول ما تعطشت إلا ارتوت ، و لا يبدأ العبد يومه بالتفكير بما يُقلق ، إنما يبدأه بالتفكير بما يُسعد القلب و الروح ، فالملك كُله لله و ليس لأحد سواه ” قل إن صلاتي و نسكي و محياي و مماتي لله رب العالمين”
و إن من تمام الشكر هو تمام الحمد لله ، ليس لأن كل شيء في أروع صورة بل لأن الحمد و الشكر مفتاح الاستزادة و الاستفادة ، فليختر العبد أن يركز على اللحظات الرائعة كي يكون في تمام النعمة ، فالله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده .
و من تمام حنكة و ذكاء العبد أن لا يترك الفرص تضيع ، و أن يدرك أن تلك الفرصة تأتي بكل هدوء و تطرق أبواب القلوب بكل طواعية ، فمن استقبلها بكل قوة لانت له و انصاعت ، و ليعلم أن كل ما فاته ليس في كتابه و لا من نصيبه ، و أن يعي أن الشيء الجميل الذي يمكن أن يكون هو ذلك الشئ الذي يجعله مميزا و مهما و أن أهميته أن يكون إنسانا بسيطا لطيفا ” و لو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك” .
و إن من تمام قوة العبد أن لا يؤمن بكلمة مستحيل في قاموس الحياة ، فالمستحيل ما استحال وقوعه و تطبيقه على الواقع ، و أن يؤمن أن الشجاعة مهارة و جرأة ، فهي لا تصدح دائمًا إنما تكون في بعض الأحيان خافتة الصوت هادئة ، و أن القوة ضد العنف و صديقة الرفق الذي يقول في نهاية اليوم : ” اجعلني منارك و مصباحك ، فإني أينما وجدت في شئ إلا وزنته و زينته و ما نزعت من شئ إلا شنته ، و مهما صمتت إلا حاولت مرات أخرى .”
و من تمام حسن أدب العبد أن يكون واثقا مطمئنا بقضاء الله و قدره ، و أن لا أحد يستطيع أن يغلق بابا قد فتحه الله لعبده ، و أن الله سبحانه و تعالى ما خلق العبد إلا ليسعده ،
و مهما كانت الصعاب أشد كان الفوز اسعد ، و قد يصح ما تنبأ به المتشائمون مدة من الزمن ، لكن المتفائلين من يستمتعون برحلة الحياة إلى مقام الخلد في جنات النعيم.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى