مجتمع

رهين الماضي

الدكتور محمد طاوسي

في هذه الحياة ، نمضي قدما و قد يعترينا الخوف و الوجل من المستقبل فيصيبنا التردد و التوجس خيفة من الفشل أكثر من أن نستعد للنجاح ، فنفشل حقيقة ، إلا أن هناك من لا يخشون الضعف أو الإنكسار مرة كي يزدادوا قوة فيعيشون النجاح بكل تفاصيله و يكتبون التاريخ بكل حذافيره لأنهم كانوا يعلمون جيداً أنهم يمكنهم أن يحولوا كُل كسرةٍ إلى نقط قوة ، و أن يجعلوا من كل ضغط مركزا للنصر .

في هذه الحياة ، نمضي نحو الأفضل و نحن نحمل معنا سلوكا معينا ، تتحكم فيه دوافع ، و تبرزه أهداف ذاتية ، و تجليه إرهاصات شخصية ، فيتأثر ذلك السلوك و يؤثر على تعاملاتنا مع محيطنا و الواقع ، فإذا كانت طريقة تعاملنا في استقبال أيامنا بكل فرح و سرور فإن السلوك الإيجابي ينعكس إيجابا على كل تعاملاتنا و التي مفادها أن حياتنا ستكون أياما بكل تقلبلتها رائعة ، و هي في الغالب كذلك بإذن الله .

في هذه الحياة ، كل شئ يجبر ، فمهما طال الفراق فهناك لقاء ، و مهما طال الغياب فهناك وصال ، و الارواح لا تفتقد مهما فقدنا الأجسام ، فلا ندع الاخفاقات تحبطنا ، و لنتذكر أن الله يمنحنا هذه العثرات ليختبر قوتنا و جأشنا و مدى إيماننا ،
إنما نحن في هذه الحياة نحيا أما العيش فهو لكل المخلوقات ، فالحياة روح و ريحان ، و من لا روح له لا حياة له ، و من لا حياة له لا روح له ، بل هو في الضنك يعيش و في العيش يضنك ، و ليس علينا أن نعيش على الماضي ، فجرح الماضي لا يجب أن نكون رهناء فيه ، فالخطير كل الخطير أن نسجن أنفسنا وحيدين في سجن الشرود في هذا الماضي السخيف . فلا نستطيع إيجاد الإجابة الصحيحة و الصريحة لجوارحنا و لا الوصفة الحقيقية لجراحنا ، بل علينا أن نكسر عقدة الاختفاء القسري وراء قضبانه الصدئة .

في هذه الحياة ، لسنا مجبرين على محاربة طواحين الوهم ، فنحن لسنا دونكيشوطيين ، و لسنا مضطرين للانتقام ممن خالفونا افكارهم و اختلفنا معهم في الرؤية و التوجه و المنهج ، فأفضل انتقام هو أن لا نحمل ضغينة لأحد ، و أفضل انتقام أن نعتني لذواتنا بشخصياتنا لغيرنا ، و لنمضي قدما و لنكن سعداء لانفسنا و بأنفسنا كي ينعكس سلوكنا على من حولنا ، فما نعمل به على ذاتنا ينعكس على مظهرنا و سلوكنا ، و لنرفع شعار ” أنا سلطان نفسي على نفسي ، و من رأى غير ذلك فليكن سلطانه غير نفسه ” ، فالسلطنة ٱعتزاز بالذات و ثقة بالنفس و رجاحة العقل و صفاء القلب و جرأة على المواقف ، لأن المواقف الصعبة هي التي تبني الشخصيات القوية و تظهر السلطان بين الهوام .

في هذه الحياة ، ليس كل إنسان يمر في حياتنا هو مقدر له أن يبقى معنا مدى الحياة ، فهناك من يأتي كي يبلغ رسالة على وجه السرعة ثم يرحل ، و هناك من يأتي كي يعلمنا فنأخذ عنه المعرفة و العلم ثم يرحل و هذا ما جاء به الخضر لموسى عليه السلام ، و هناك من يأتي كي يترك في قلوبنا وجعاً نستشف منه الحكمة و نأخذ العبر و كلما تذكرناه دمعت أعيننا ، و منهم من يرحل و يترك ذكريات رائعة على ارواحنا تعيش معنا لتعطينا حافزا للأمل و أن الخير كائن مدى الزمن و كلما تذكرناها إرتسمت على وجوهنا إبتسامة الفرح و السعادة .

فالحياة بتجلياتها و أشخاصها نتعلم منها درسا يعلمنا حدودنا مع ذواتنا و محيطنا ، و كيف نمضي فيها ، و متى ننتظر المزيد من المنح ، و متى نهتم بمن حولنا ، و متى لا نلتفت أبداً إلى ماض كان محطة ثم انتهى .

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى