
برعي محمد
حين تعانق أسوار مكناس العتيقة أنفاس “الغيطة” وتتردد في أزقتها إيقاعات “الطبل” و”البندير” وتصدح دروبها امداح وترانيم نبوية، فالحاضرة الإسماعيلية لاتكون مجرد مسرح لفرجة صيفية عابرة، لكنهاقد تنصهر نحو القدسية الروحية يتجاذب فيها التاريخ الجغرافي للمملكة بالذاكرة الروحية للشيخ الكامل “الهادي بنعيسى”،فالمهرجان في دورته الأحدث، وهو يتوسم شعار «التصوف ووحدة المملكة» وينضوي تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، يترفع عن حدود الاحتفالية المجردة ليغدو ميثاقا وطنيا، وبيداغوجيا حية لبناء الوعي وتأسيس المواطنة الروحية لدى الأجيال الصاعدة.
إن إسباغ الرعاية الملكية السامية على هذا المحفل التراثي ليس مجرد تشريف تنظيمي، بل هو فعل حصانة و انتشال للطقس العيساوي من أنياب التسطيح الفولكلوري ومنطق السلعة الثقافية، وإعادة إدراجه في صلب استراتيجية “الأمن الروحي” وسيادة الهوية، يتجاوز من خلال ذلك صفة العرض الاستهلاكي ليصبح أكاديمية مفتوحة للقيم، تتكامل فيها الرمزية السيادية مع الأصالة الصوفية لتشكل سياجا يقي الناشئة من رياح الاغتراب الرقمي وغزوالقيم المعاصرة.
وفي اختزال الشعار الفلسفي للمهرجان تتجلى استعارة سوسيولوجية شديدة العمق؛ فالتصوف المغربي، عبر تاريخه الممتد، لم يكن يوما اعتزالا في صوامع الذات، بل كان دوما العصب الروحي الجامع الذي يشد أطراف المملكة من شمالها إلى صحرائها، إن الطريقة العيساوية بطقوسها وأورادها، تتجاوز تضاريس الجغرافيا المادية لتبني “جغرافيا روحية” موحدة ،يجد فيها الشاب نفسه ينتمي لنسيج حضاري موصول الأسباب؛ حيث تتحول “الحضرة” من وجد فردي إلى انصهار جماعي يذيب الفوارق، ويكرس قيمة التضامن والانتماء للوطن كجسد واحد متماسك.
وهنا بالضبط تتجلى البيداغوجيا التربوية المضمرة لهذا المهرجان؛ فالمعرفة هنا لا تلقن عبر الخطابات الجافة أو المقررات الرتيبة، بل تسكب في ذائقة الناشئة عبر “بيداغوجيا المجاورة والمعايشة”؛ حيث يتعلم الفتى العيساوي أدب الاستئذان، وتوقير الشيوخ، وضبط حركة الجسد مع ميزان الإيقاع، والإنصات لقصائد الذكر العيساوي المحملة بالحكم والفضائل النبويةومحاسبة الذات والترويح عن النفس بنوع من الانسيابية، إنها تربية غير مكتوبة تشكِل لدى الشباب “هابيتوس أخلاقي”—سلوكيات وقيم ،يحميهم من الانحراف السلوكي، وتمنحهم زادا ذوقيا يرتفع بوعيهم فوق إثارة الفن التجاري السريع.
ولعل أبهى ما يفرزه هذا الأفق المظلل بالرعاية السامية هو تجاوز التشرذم الظاهر الخفيبين الطوائف العيساوية والجمعيات الثقافية،فإذا كانت كواليس الممارسة العيساوية تشهد أحيانا تجاذبا بين حراس الأصالة الروحية ودعاة التحديث التنموي، فإن مظلة وحدة المملكة تحوِل هذا التقاطب إلى تكامل وظيفي وبنيوي؛ فتغدو الطائفة هي المورد الذي يزود الناشئة بسر الطريقة والأدب الصوفي، بينما تصبح الجمعية الإطار المدني الذي ينظم تلك الطاقات ويدمجها في دينامية التنمية المحلية والثقافية.
إن المهرجان السادس لعيساوة بمكناس، وهو يتوشح بوشاح العناية الملكية السامية ويستحضر عمق التصوف في بناء وحدة الوطن، يثبت أنه ليس مجرد صدى صيفي يزول بزوال الأضواء والمنصات، بل هو رئة سوسيولوجية ومدرسة تربوية قائمة الذات، تبرهن على أن التراث الحي حين يتنفس بأريج الروح وينتظم تحت سقف الرعاية السيادية، يصبح القوة الناعمة الأقدر على نحت وعي الناشئة، وغرس أوتاد القيم في نفوسهم، ليكونوا أوفياء لذاكرة الماضي، وصناعا واثقين لمستقبل الوطن،وهم من خلال كل هذا أمام مدرسة مفتوحة، تحول الذكر والإيقاع إلى سلوك أخلاقي يومي، والتراث الروحي إلى حصن لحماية الهوية الوطنية..















