مع الكوتش برعي محمد

الهزيمة مرآة تكشف العُقَد وتُثبت النماذج

برعي محمد

في كرة القدم، ليست الهزيمة مجرد رقم أو نتيجة تُثبت على لوحة النتائج، بل هي مرآة كاشفة لما يختبئ في النفوس من مشاعر متناقضة، بين الفرح الصادق والشماتة المبطنة.
حين نظم المغرب كأس إفريقيا بهذا المستوى الباهر، تجاوز السؤال حدود المستطيل الأخضر: هل تستحق إفريقيا أن تُرى بهذا الوجه الحضاري؟
وجاء الجواب من الملاعب المغربية التي تحولت إلى مسارح عالمية، حيث تنظيم يضاهي كبريات الدول، وبنية تحتية تروي قصة مشروع طويل الأمد، نهايته واضحة المعالم.
غير أن المفارقة أن بعض الأشقاء، عربًا وأفارقة، لم يجدوا في نجاح المغرب سوى فرصة للتقليل منه، وكأن فرحهم المعلن بسقوطه – عفوًا بخسارته نتيجة صغيرة داخل مشروع كبير – لم يكن فرحًا ضده بقدر ما كان فرحًا لأنفسهم؛ فرحًا بتعثّر نموذج يفضح تقصيرهم ولو للحظة.
هذه لم تعد منافسة رياضية، بل انعكاس لعُقَد نفسية دفينة، تظهر كلما برز مشروع ناجح يضع الآخرين أمام مرآة محرجة. نعم، هكذا وضعهم المغرب.
ولعل المشهد الأوضح كان في مونديال قطر 2022، حين بلغ المغرب نصف النهائي واحتل المرتبة الرابعة عالميًا، فخرجت أصوات تردد: “نحن الأفارقة، نحن العرب”، وكأن الإنجاز المغربي يُحسب لهم.
لا، سيداتي سادتي، الإنجاز يُحسب لأهله، وللأشقاء الذين لم يخذلوا.
أما اليوم، حين أراد المغرب أن يُظهر إفريقيا بهذا المستوى الرائع، فقد خذله بعضهم نفسيًا وسلوكيًا واجتماعيًا، بل أخلاقيًا، وظهرت أمراض دفينة ما كانت لتظهر لولا أن المغرب كشفها بإنجازه.
أيها الشامتون الهواة، إعلامكم بدوره ساهم في صناعة ضغط غير بريء، إذ رسم صورة المغرب كبطل منتظر منذ البداية، وكأن الكأس حُسمت قبل أول ركلة كرة.
هذا الضغط حوّل كل تعثّر إلى مادة للتشفي، وكل هزيمة إلى مناسبة للاحتفال. لم يكن إعلامكم ناقلًا للواقع، بل صانعًا لوهم أراد اختبار صلابة النموذج المغربي.
المغرب اليوم ليس مجرد منتخب، وليس ربح أو خسارة كأس، بل مشروع دولة في كرة القدم: ملاعب، أكاديميات، تنظيم، ورؤية جعلت العالم المتقدم يقف احترامًا ويقول: هذا نموذج يُحتذى به.
وحين يُشيد الأوروبيون والأمريكيون بالنموذج المغربي وينبهرون بما تحقق، فذلك اعتراف صادر عن أطراف بعيدة، لكنها بلغت ذروة الوعي والتحليل المنطقي، فرأت في المغرب ما لم يره بعض الجيران القريبين الحاقدين.
هذا الاعتراف ليس مجاملة، بل إدراك بأن المغرب تجاوز حدود الجغرافيا ليصبح معيارًا عالميًا في التنظيم والرؤية الرياضية.
وكان من المفروض أن تشكر إفريقيا كلها المغرب، لأن هذا التنظيم ليس نجاحًا مغربيًا خالصًا، بل نجاح للقارة بأكملها.
المغرب لم يكن ينظم لنفسه فقط، بل كان يرفع صورة “ماما إفريقيا”، ويقول للعالم إن هذه القارة قادرة على أن تكون في مستوى التحدي، وأنها ليست هامشًا في كتاب كرة القدم، بل فصلًا رئيسيًا فيه.
المغرب أشبه بشجرة مثمرة وسط حقل قاحل؛ كلما أثمرت رُميت بالحجارة.
لكن الحجارة لا تُسقط الشجرة، بل تُسقط ثمارها لتؤكد أنها حية، قوية، ومستمرة.
الهزيمة ليست نهاية، بل فصل من رواية طويلة عنوانها: من يزرع التنظيم يحصد المجد.
وهكذا، فإن ما بدا شماتة أو فرحة عابرة بسقوط المغرب، ليس سوى انعكاس لعُقَد نفسية ومرارات دفينة.
أما المغرب، فقد ربح ما هو أكبر من مباراة أو بطولة:
ربح الاعتراف بأنه نموذج يُحتذى، ومشروع يربح المستقبل، وأنه رفع اسم إفريقيا كلها…
أحببت أم كرهت، هذا هو مغربنا.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى