
ذ. محمد البركة
أسلم الأستاذ الفقيه أحمد بصري الروح لباريها اليوم 13 غشت 2021م بمكناس بعد مسيرة علمية حافلة بالعطاء، حيث ولد ونشأ بمكناس سنة 1934م، والتحق حين وصل إلى سن التعلم والقراءة بالكتاب لحفظ القرآن الكريم، ثم التحق بالمعهد الإسلامي بمكناس، وبعد أن نال الشهادة الثانوية الأولى التحق بالقرويين لإتمام دراسته فيها نال الشهادة الثانوية الثانية، ثم التحق بالسلك العالي فيها حيث نال الشهادة العالمية سنة 1960م.
عين الأستاذ أحمد بصري مدرسا بالمعهد الإسلامي بمكناس لمدة تزيد عن العشرين سنة، ثم عين ناظرا للدروس إلى جانب مديره وقتئذ الحاج علال العيساوي، الذي حين إحالته على التقاعد أصبح الفقيه أحمد بصري مديرا للمعهد الذي تحول بعدها إلى ثانوية الإمام مالك للتعليم الأصيل، وقد مكث يعمل مديرا له إلى أن أحيل على التقاعد سنة 1994م.
شغل الفقيه الأستاذ أحمد بصري للعديد من المسؤوليات العلمية والدينية، حيث خطب الجمعة في كل من المسجد العتيق النجارين، ومسجد مولاي مليانة، والجامع الأعظم بمكاس، وألقى العديد من دروس الوعظ والإرشاد في عدة مساجد بالمدينة ونواحيها، وشارك في العديد من البعثات العلمية المختارة للوعظ والإرشاد بالخارج خلال شهر رمضان، إضافة إلى مشاركته لعدة مرات في توعية الحجاج المغاربة المتوجهين إلى الديار المقدسة.
عين الفقيه أحمد بصري أستاذا لمادة النحو بالكراسي العلمية بالجامع الأعظم بمكناس التي تأسست سنة 1986م، وعضوا بالمجلس العلمي الإقليمي لمكناس، الذي بقي في عضويته إلى أن عين رئيسا له بعد مولاي مصطفى العلوي، ثم عضوا بالمجلس العلمي الأعلى.
وإذا كان الفقيه أحمد بصري ينتسب لبيت علم وفضل وصلاح، فإن عمران بصري الولهاصي، الذي كان يستقر بداية في مدينة البصرة (المغربية)، ثم بعد خرابها بولهاصة، قد استقر بمدينة مكناس قبل القرن 10هـ، ولا يعرف عنه شيء غير ما ذكره أحد الأحفاد عن كراماته ومكان دفنه.
لقد عرف عن أعلام أسرة بصري جميعا أنهم من أهل العلم والولاية، إذ كان لكل منهم مقامه في التصوف، مع التأكيد على أن السمة الغالبة عليهم أنهم شيوخ علم وتدريس وتأليف، حيث كان لإقبالهم على العلم آثاره في إغناء النشاط العلمي بمكناس، خصوصا أن بعض فقهاء هذا البيت تعاقبوا على مراكز التدريس والخطابة بمساجد المدينة ولعدة قرون.
ومن أفراد هذا البيت نذكر فاطمة البصرية، أحمد بن محمد بن بصري (ت.1114 هـ/1702م)، ورقية بنت مسعود بصري (ت. بعد 1107هـ/1695م)، والعربي بن مسعود بصري (ت. بعد 1083هـ/1672م)، وأحمد بن عبد الرحمان بن أحمد بصري (ت. 1124هـ/1712م)، وعبد الوهاب بن أحمد بصري (ت. بعد 1143هـ/1730م)، والمفضل بصري (ت. بعد 1151هـ/1738م)، ومحمد الطيب بصري (ت. 1169هـ/1755م)، ومحمد بلقاسم بصري (ت. 1253هـ/1837م)، والعربي بن الطاهر بن المهدي بصري (ت. بعـد 1290هـ/1873م)، والمهدي بن فضول البصري (ت. 1324هـ/1906م)، وبلقاسم بن محمد بلقاسم بصري (ت. 1336هـ/1917م)، ومحمد بن بلقاسم بن محمد بصري (ت. بعد 1944م) …
وعلى العموم فإن هذه الأسماء لا تمثل سوى بعض من اشتهر من أعلام البيت البصري بعلمه وصلاحه، بحيث لا يخلو عصر من العصور من ذكر اسمهم. كما أن عطاءهم العلمي شمل مختلف العلوم، فمنهم الخطباء والمدرسون والعدول ومقدمي الزوايا.
وقد كان أعلام البيت البصري محل تقدير من معاصريهم، ففضلا عن التقدير الذي غمرهم به الوسط المكناسي فإن السلطة لم تفتأ في إبراز علو منزلتهم، وفي هذا الصدد أصدر بشأنهم مولاي إسماعيل ظهيرا مؤرخا في ربيع الأول سنة 1112هـ/14 أكتوبر1700م، فيه تنويه بمنزلتهم العلمية وقدرهم الروحية، ومما جاء فيه:
” … يستقر كتابنا هذا أسماه الله بيد حملته أولاد ولي الله تعالى العارف بربه، الصالح سيدي بصري نفع الله به وأولاد أولاده وحفدته ومن انتمى منهم إليه، وخصوصا الفقيه الأجل السيد محمد بن أحمد بصري، وبني عمه وأولاده وأولاد أولاده ما تناسلوا. ويتعرف منه بحول الله وقوته وشامل يمنه العميم وبركته أننا أسبلنا عليهم جلابيب الإيثار والوقار، وكسوناهم أردية الاحترام ونمارق الإجلال والإكبار، وعاملناهم بما يجب وما يَجْمُل بنظائرهم من السادات الأخيار، ووقرناهم وحررنا جانبهم وأكرمنا مثواهم، وحاشيناهم من كل ما يغيض بقدرهم، وأسقطنا عنهم كل مغرم أو تكليف، وسلكناهم مسالك آبائهم وأجدادهم وأسلافهم من قبلهم، وأنعمنا عليهم بمزيد أثرة وكريم نضرة على ذلك حيث هم بحمد الله من أولاد هذا الولي العارف المذكور، ومن خيار أهل حضرتنا العلية بالله ومن لباب اللباب بها، ومن أعيانها ومن ذوي الحسب والمروءة والأصالة منها[…] وكفى شهادة الناس فيهم والناس شهداء الله في أرضه، وما علمنا في جملة أولاد سيدي بصري إلا خيرا وضاحا ونجدة ومروءة وفلاحا …”.















