
حوار من إعداد: سناء الكوط
يحتفظ موسم الهادي بن عيسى بمكناس بثراء تقاليده الشعبية التي تمزج بين الروحانية والفرجة الجماعية، حيث لا ينفصل الجانب الصوفي عن الأبعاد الاجتماعية والفنية التي تراكمت عبر عقود من الممارسة. ومن بين الطقوس التي ارتبطت بهذا الموسم، يبرز ما كان يُعرف بـ “طقس الذيب”، وهو مشهد فرجوي كانت تؤديه طائفة سحيم المختار، يجمع بين الرمزية الدينية والإيحاءات الفنية، ويستحضر في تفاصيله صراع الرموز بين الذيب واللبية والأسد.
هذا الطقس لم يكن مجرد تسلية عابرة، بل كان يترجم تصورات المجتمع عن الدهاء والمكائد، وعن الحماية والتضامن، في قالب يمزج بين المتعة والتأمل. ومع ذلك، طواه النسيان واختفى من فضاءات الموسم، ليبقى عالقًا في ذاكرة بعض من عايشوه.
وفي هذا السياق، فتح لنا الخمار بطيوي، أحد العارفين بهذه الطقوس وذاكرة حية للتراث الشعبي بمكناس، قلبه ليستعيد معنا لحظات عاشها على مدى ثلاثين سنة وهو يجسد دور “الذيب”. في حديثه، يروي تفاصيل دقيقة عن الأجواء، وعن المتعة التي كان يجدها الحاضرون في متابعة المشهد، وكيف كان الصراع الرمزي بين الشخصيات يثير الدهشة ويجذب الأنظار.
الصراع الرمزي: “الذيب” والأسد واللبية
في طقس “الذيب”، كان يُجسد “الذيب” رمزًا للدهاء والمكائد، فيما تحميه “اللبية” كما تحمي الأم ابنها، بينما يتأمل الجمهور المشهد، أحيانًا مبتسمًا، مستمتعًا بمناورات الذيب وارتباك الأسد.
س : حدثنا عن الدور الذي كنت تقوم به في طقس الذيب.
ج : الخمار: كنت ألعب دور “الذيب”، بينما يحاول “الأسد” الإمساك بي ليضربني، و”اللبية” تحميني. كانت الفرجة ممتعة ومليئة بالمطاردات والحركة، والجمهور يعيش اللحظة بتأمل وسخرية خفيفة، كأنهم جزء من القصة نفسها.
متعة الجمهور وروحانية العرض
الفرجة لم تكن مجرد ترفيه، بل مساحة اجتماعية تجمع الطائفة والجمهور، حيث يلتقي الرمزي بالواقعي، وتبرز الذكاء والمناورات البسيطة في المشهد.
س: كيف كان رد فعل الحاضرين أثناء العرض؟
ج :الخمار: كانوا يستمتعون بمتابعة المشهد، يبتسمون أحيانًا بسخرية خفيفة من حركة الذيب وحيله، وتبدو الفرجة بالنسبة لهم تجربة بصرية وروحية متكاملة.
تحدي نقل التراث للأجيال الجديدة
اختفاء بعض الطقوس الشعبية يسلط الضوء على صعوبة انتقال التراث اللامادي للأجيال الجديدة، وسط تغير الاهتمامات وانفتاح المجتمع على الممارسات الحديثة.
س: لماذا لم تُورَّث هذه العادة للأجيال الجديدة؟
ج :الخمار/ الجيل الجديد لم يعد يهتم أو يستمع. تركنا لهم حرية الاختيار، وفضلنا عدم فرض الطقس عليهم، فبقيت العادة محفوظة في الذاكرة فقط.
المسير نحو الضريح: تجربة مهيبة
كانت مسيرة الطائفة نحو الضريح لحظة مهيبة، تعكس احترام الطائفة للهيبة الروحية، وتقدم تجربة بصرية وروحية للجمهور الذي يراقب من بعيد.
س: كيف كانت المسيرة نحو الضريح؟
ج:الخمار/ كانت الطائفة تسير وحدها دون العائلات، والجمهور يكتفي بالمشاهدة من فوق السور، ابتداءً من باب ثلث فحول سيدي بابا وصولاً إلى الضريح. كانت المسيرة مهيبة وتوازن بين الروحانية والمتعة البصرية في آن واحد.
ذكريات لا تُنسى
هذه الطقوس الشعبية تحمل قيمًا ثقافية وروحية واجتماعية، وتبرز أهمية حفظ التراث اللامادي للأجيال القادمة، لتظل جزءًا من هوية المدينة وتاريخها الروحي.
س: بعد كل هذه السنوات، ماذا يمثل لك طقس “الذيب” اليوم؟
ج: الخمار/ ذكرى جميلة وعلامة فارقة في حياتي. كنت جزءًا من فرجة شعبية ارتبطت بوجدان الناس. أشعر بالأسف لأن الأجيال الجديدة لم تعش هذه اللحظات، لكنها ستظل محفوظة في الذاكرة الجماعية كجزء من تاريخ مكناس الروحي والثقافي.
يتبع…















