بـورتـريـــه

ليبيا: القلعة الإسبانية في مسلاتة… ذاكرة الحجر وروح الحضارات

فوق قمم جبل مسلاتة، على بعد نحو 130 كيلومترًا شرق العاصمة طرابلس، ترتفع القلعة الإسبانية شامخة، ليست مجرد أطلال صامتة، بل شاهدة حية على قرون من التاريخ، وحكاية الإنسان والمكان، وصراع الحضارات التي تعاقبت على هذه الأرض.

لم يكن اختيار موقع القلعة عشوائيًا؛ فقد كانت نقطة دفاعية استراتيجية منذ العصور القديمة. تشير بعض المصادر إلى أن أساس القلعة أُقيم على أنقاض معبد فينيقي قديم، قبل أن تمر بها حضارات متعددة، بدءًا من الفينيقيين، ثم الرومان الذين اشتهروا في ليبيا ببناء الحصون والقلاع الدفاعية لتأمين المدن والطرق التجارية من هجمات القبائل المحلية.

مدينة مسلاتة نفسها، التي ورد اسمها في المصادر الرومانية باسم مسفي، كانت محطة مهمة على الطرق الرومانية بين لبدة الكبرى وترهونة، ما يؤكد مكانتها الاستراتيجية والتجارية منذ القدم. وكانت جزءًا من الامتداد الزراعي لمدينة لبدة الكبرى، حيث ازدهرت زراعة الزيتون والمحاصيل الموسمية بالاعتماد على مياه الأمطار. ولا تزال آثار تلك الحقبة باقية حتى اليوم: سدود رومانية على الأودية لحجز مياه الأمطار، ومعاصر زيتون قديمة في مناطق الشعفيين، سَلْمة، وسندارة، لتشهد على عمق النشاط الزراعي والحضاري في تلك الفترة.

أما القلعة الإسبانية بصورتها الحالية، فقد شُيدت بين عامي 1510 و1515 خلال العهد الإسباني، على أنقاض معبد روماني، كحصن متقدم ضمن منظومة الدفاع عن طرابلس. وتكشف الدراسات المعمارية أن تصميم القلعة في بداياتها كان مثلثيًا بثلاثة أبراج، وهو نمط دفاعي متقدم يعكس المكانة الاستراتيجية للموقع منذ القرن السادس عشر.

مع مرور الزمن، تعاقبت على القلعة قوى تاريخية متعددة؛ فرسان القديس يوحنا، الدولة العثمانية، والاستعمار الإيطالي، لكنها حافظت على وظيفتها الأساسية كموقع دفاعي ونقطة مراقبة استراتيجية، بفضل موقعها المرتفع وإطلالتها المهيبة. ورغم مرور قرون، لم تخضع القلعة إلا لعملية ترميم واحدة سنة 1923 خلال الاستعمار الإيطالي، لتبقى محتفظة بروحها التاريخية وملامحها الأصلية.

القِلاع الليبية الأخرى المنتشرة في البلاد تجعل القلعة الإسبانية جزءًا من منظومة تراث عسكري واسع يمتد من العهود القديمة مرورًا بالعثمانيين والإيطاليين، ما يعزز أهميتها ضمن التاريخ الليبي العسكري والمعماري.
وفي السنوات الأخيرة، أُعيد اكتشاف عدد من المواقع الأثرية المحيطة بالقلعة، بعضها لم يكن مسجلًا رسميًا لدى مكاتب الآثار، وتم تأمينها بجهود الشرطة السياحية والجهات المختصة، مع تسجيل انخفاض ملحوظ في الجرائم المرتبطة بالآثار، في إطار السعي المستمر لحماية الإرث التاريخي.

إضافة إلى موقعها التاريخي، تشتهر مسلاتة بتراث ثقافي وديني عريق، يشمل جمعيات لتحفيظ القرآن الكريم ومراكز دينية تاريخية، ما يعكس عمق الحياة الاجتماعية والثقافية في المدينة عبر القرون ويضيف بعدًا إنسانيًا إلى قيمة القلعة.

اليوم، لم تعد القلعة الإسبانية مجرد معلم أثري، بل رمز لهوية مسلاتة وذاكرتها العميقة. وكل زائر يُنبه إلى ضرورة الحفاظ عليها وعدم العبث بأي عنصر أثري، حتى تستمر القلعة في رواية قصتها للأجيال القادمة، شاهدة على أصالة الماضي وروح الحاضر، ومعلماً يُلهم كل من يزور هذا الجبل الشامخ.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى