اش واقع فمدينتي

توقيع تضارب المصالح بين الصفة الحكومية والمؤسسات المنتخبة: قراءة في إشكالات الحكامة والمسؤولية الدستورية

توفيق اجانا

أثارت اتفاقية دعم تعاونية “بنجليق للزليج الفاسي” نقاشًا عموميًا مستحقًا حول مشروعية بعض التوقيعات داخل منظومة الحكامة المؤسساتية، وذلك بعد توقيعها من طرف رئيس غرفة الصناعة التقليدية لجهة فاس – مكناس، بصفته ممثلًا للمؤسسة المانحة، ثم بصفته رئيسًا للجهة المستفيدة.

وقد تعزز هذا النقاش بإمضاء الاتفاقية من طرف كاتب الدولة المكلف بالصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، ممثلًا للسلطة الحكومية الوصية على القطاع.

هذا التوقيع، الذي ورد بشكل رسمي في وثيقة إدارية تتقاطع فيها المصالح والوظائف، يُسلّط الضوء على إشكال حساس يتجاوز التقديرات السياسية أو الظرفية، ليبلغ عمق النظام الدستوري نفسه، لاسيما أن الوزارة المعنية تُعدّ المخوّل لها قانونيًا مراقبة حسن سير الدعم العمومي وضمان احترام قواعد النزاهة والمساطر الإدارية.

إن الحديث هنا لا يتعلق بمجرد خطأ بروتوكولي أو سهو إداري، بل بواقعة تضعنا أمام مجموعة من التساؤلات المشروعة:

هل كانت الوزارة، من خلال كاتب الدولة، على علم بأن الجهة المستفيدة من الاتفاقية هي ذاتها التي وقعت كممثلة للغرفة المانحة؟ وهل توصلت الوزارة قبل التوقيع بتقارير داخلية أو ملاحظات قانونية تنبّه إلى احتمال تضارب المصالح؟ وإذا كانت مطلعة، فكيف تم تأطير هذا المعطى من الناحية القانونية داخل الإدارة؟وإن لم تكن على علم، فهل هذا يُعدّ مؤشرًا على خلل في آليات التحقق الإداري قبل المصادقة على اتفاقيات الدعم؟ بعيدًا عن أي تأويل للنوايا، أو إصدار أحكام مسبقة، تقتضي الحيادية الصحفية تسجيل أن مجرد وجود توقيع مزدوج على اتفاقية تمويل، بحضور وتمثيل الجهة الحكومية، يجعل من الواقعة نقطة اختبار حقيقية لمصداقية آليات الوصاية والتدبير العمومي.

بل إن المفارقة الكبرى تكمن في أن الجهة المعنية بالسهر على احترام مقتضيات الدستور – بما فيه الفصل 36 الذي يُجَرّم تضارب المصالح – كانت حاضرة وموقعة على اتفاقية يحتمل أنها تتقاطع مع هذا الفصل نفسه.

وبناء على ما سبق، تبرز مسؤولية الوزارة الوصية، لا بصفتها طرفًا إداريًا عاديًا، بل بصفتها ركيزة في توجيه السياسات العمومية ومراقبة حسن توزيع الدعم العمومي في قطاع حيوي واستراتيجي كالصناعة التقليدية، الذي يمتزج فيه البعد الثقافي بالبعد الاقتصادي، ويتطلب منسوبًا عاليًا من الشفافية والثقة المؤسساتية.

فهل ستُقدم الوزارة على فتح تقييم داخلي لهذه الواقعة، يُسهم في ضبط المعايير والتصحيح إن لزم؟وهل سيتم تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة باعتباره أحد مرتكزات الحكامة في النموذج التنموي الجديد؟ أم سيُترك الأمر مجددًا لتأويلات العُرف السياسي، بدل الاحتكام إلى آليات الرقابة المؤسساتية الصارمة؟ إن طرح هذه الأسئلة لا يعني بأي شكل توجيه اتهامات أو القفز على المساطر، بل يُمثل محاولة مواطِنة ومسؤولة لقراءة واقعة عمومية وفق منطق التحليل المؤسساتي والتذكير بضرورة احترام قواعد الشفافية والحياد، بما يحصّن الثقة في التدبير العمومي ويحمي مبدأ تكافؤ الفرص بين الفاعلين المحليين.

وبصرف النظر عن مآلات التحقيقات أو الردود، فإن هذه الواقعة تبقى معيارًا لاختبار مدى التزام الدولة بمنطق الحكامة الجيدة، لا سيما في القطاعات التي تختلط فيها العراقة بالهشاشة، وتتطلب توازنًا دقيقًا بين الدعم والتدقيق، وبين النية والمبدأ

يتبع…

اظهر المزيد
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى