كتاب رأي

عن نظام الفلقة أحدثكم

احمد بوعشرين الانصاري

هناك من يبرر للفلقة بكونها كانت الطريقة الأنجع للتربية في عهد الأجيال السابقة، بينما يغفل عن الجواب عن السؤال الرئيسي، ماذا صنعت الفلقة لدى هذه الأجيال السابقة؟ هل فعلا أسهمت في بناء الفرد المواطن والحر والمسؤول والنافع، أم أنتجت جيلا كلاًّ على مولاه، لا يُقدر قيمة الحرية ولا المسؤولية ولا يعرف معنى المواطنة؟؛
هو سؤال يحتاج فعلا للجواب عنه إلى دراسة علمية بمخرجات تجعلنا نستخلص نجاعة “الفلقة” أو لنقل نجاعة ممارسة التعنيف على التلميذ في المدرسة وعلى الطفل وهو في “المسيد” او في المنزل، إن مرحلة أجيال “الفلقة” تساءلنا عن نجاعتها، وعن إسهامها في تنمية إنسان تلك المرحلة آنذاك وهو يواجه الفلقة في “المسيد”، والتعنيف في المدرسة، والاستفراد بالسلطة والثروة وانعدام المحاسبة على كل من له مسؤولية عمومية في الشأن العام، ونظام التربية والتكوين المنتهج ضمن السياسات العمومية مع تقلباته وتحوراته المتكررة، ومخططات “التنمية” المتعاقبة التي كنا موضوعا لها وضحية من ضحاياها حتى عهد “التقويم الهيكلي” وما بعده؛
إن “الفلقة” تساءل النظام العام الذي كان تسير عليه البلاد أسريا وتربويا واقتصاديا وسياسيا، وفعلا نجحت في إنتاج جيل لا ننكر أن بعضه قد نجا وحفظ كرامته وإنسانيته من الإرادة الممنهجة للتبديد والعبث، لكن لا ننكر أيضا أن جزءا كبيرا من هذا الجيل تأسست لديه إرادة اللاإرادة، وحرية اللاحرية، ومسؤولية اللامسؤولية، والرغبة بل والحلم في تسلق منصب عمومي تُمارَس من خلاله كل أنواع السلطوية والمكر والخداع والتزلف والسادية؛
الفلقة أنواع أدناها فلقة الطفل عند المسيد وهي المنطلق والأساس لممارسة الفلقة في مستويات عمومية مرتبطة بمجال الشأن العام وإنتاج جيل غايته أن يشارك ناهبيه في احتكار السلطة والثروة والتباهي بها؛
لقد مورست على جيلنا الفلقة بشتى أنواعها، حتى صرنا نمشي بقاماتنا المنحنية وبأصواتنا الخافتة تجنبا لإزعاج الأسياد، كان الطفل حينما تمارس عليه الفلقة يأتي مرتعدا إلى “المسيد”، ولا خيار له سوى المجيء، وإلا تعرض لفلقة رب البيت، لا خيار له سوى أن يقبل بأن تمارس عليه شتى أنواع الترهيب حتى أنه لا يفكر إلا في النجاة بنفسه، وأن “يعيش” آمنا في سربه ضامنا لقوت يومه”، وحين يكون ب”المسيد” يظل يترقب في قرارات نفسه ساعة انتهاء الحصة، ويترقب أيضا خلالها عصا الفقيه خوفا من أن تطاله، يخضع لإملاءاته، لا حق له في الاعتراض أو البكاء احتجاجا، لكن له الحق أن يبكي تألما او خوفا؛
أستحلفكم بالله أيها القراء، أليست صورة هذا الطفل مصغرة ( en mode miniature) عن صورة “الفرد” وقد بلغ أشده في وطن لا صوت يعلو فيه فوق صوت السلطوية؟ إن الفلقة في الصغر هي تحضير لتقبل الفلقة بشتى أنواعها في السياسات العمومية وفي تدبير الشأن العام في الكبر، ليس لك الحق في الاحتجاج على من “أكل مالك وجلد ظهرك”، ليس لك الحق في المطالبة بتصحيح وضع السلطوية لتنتقل تدريجيا نحو وطن المواطنة والتداول الفعلي على السلطة والتوزيع العادل للثروات؛
من يقبل بنظام الفلقة ويدافع عنها لكونها “ربتنا”، حق له ذلك لأن التربية أنواع أحطها أن تكون كلاًّ على مولاك لا تأتي بخير ولا نفع إلا له، وأرقاها التربية على المواطنة وعلى الحرية المسؤولة وعلى المسؤولية الفعلية التي بمقتضاها تتم المحاسبة وينجح التقويم؛
إن التنمية البشرية تبدأ من هاهنا حيث الطفل في مسيده او فضاء تعليمه الأولي، وتنتهي هناك حيث الفضاء العام بمختلف مؤسسات المجتمع الحرة التي تمارس بالفعل دور التأطير لا التدجين، والتنشئة التحررية لا الاستعباد الممنهج، والرقابة لا التصفيق؛
الفلقة بضع مئات شُعَب، أدناها وأخطرها في نفس الوقت ممارسة الفلقة في الصغر، وأعلاها وأقواها خطرا على التنمية والنهضة الفلقة السياسية التي تمارسها السلطوية حين تستأسد على البلاد والعباد.

أنتم أيضاً يمكنكم المشاركة معنا في تصنيف كتاب رأي عن طريق إرسال كتاباتكم عبر هذا البريد الالكتروني

contact@media15.ma

مقالات الرأي المنشورة في “جريدة ميديا15”لاتعبر عن سياسة الخط التحريري للموقع.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى