مجتمع

مكونات الشخصية الإنسانية (التفاعل الفكري)

الكوتش الدولي الدكتور محمد طاوسي

‏إن الإنسان في منظومته التركيبة  مُحاط بكم هائل من الأسئلة التي يطرحها عليه المكون الفكري ، و الذي يجعله في ديناميكية حيوية بين الجهل و المعرفة ، و كلما وجدَ جوابًا عن بعض أسئلته توسعت دائرة التساؤلات التي تزيد من قوة إدراكه لحقيقة الوجود ، و بلوغ الذات مرتبة العلم ، إذ المعرفة جزء من مراحل العلم ، و كلما بلغ مرتبة زاد نهمه بتعدد التساؤلات كي تستمر الرحلة العلمية إلى ذروة العلماء و  مقام الخشية و الإنابة الكلية للمحبوب المولوي، قال تعالى ” إنما يخشى الله من عباده العلماء”  ، و كلما زاد العلم زاد اليقين بحقيقة جهل المتعلم و طالب العلم ” و فوق كل ذي علم عليم ” .

لا نظن أننا من دون هذه التساؤلات ، و بلا نهم العقول سوف نحيّا اسوياء ، فقد خاب ظنّ من حسب ذلك ، لأن الحياة أصلا ترفض الجهل و لا تقبل الجاهلين ، و لكي يبلغ هذا المكون الفكري درجة طلب العلم فإن الذات البشرية تحتاج إلى شيئين مهمين  :


1: الصمت المؤدي إلى التفكر و التدبر و توسيع الحقل المعرفي للمكون الفكري  .
2: التجاهل الإيجابي لكل ما من شأنه التشويش على نظام التوازن الذاتي لكل المكونات الرئيسية للشخصية الإنسانية .

فهذان الأمران لهما دور مهم في ترشيد حافز التساؤلات المعرفية و الفكرية للمكون الفكري في منظومة التركيبة الطبيعية للشخصية الإنسانية ، غير أن هناك من يفسد مكوناته الذاتية بِنفسه ، فيتيه في متاهات الشك و النكران، مما يزيده حيرة و ضنكا فلا يرتاح من تأنيب الضمير ، أما إذا منحه الله تعالى القدرة و الكفاءة لتوجيه و ترشيد حافز التساؤلات حول ماهية الوجود و عمارته، فذلك هو التأييد الإلهي الذي نثره سبحانه و تعالى في مكوناته الذاتية كي يستلهم شيئاً من عبير العلم الكوني و الشرعي معا ، ثم يلهمه القوة على تبليغه لمن هم حوله ، فإن كان للغنى المادي زكاة فإن لكل نعمةٍ زكوات حسب طبيعتها ، و ‏التجاهل الإيجابي لكل المشوشات  يُعيد كل شئ إلى طبيعته و حجمه الحقيقيين.

إن استثمار ‏العبارات الجليلة و التساؤلات الراقية لها سحر فعال في صياغة العلاقة الإيجابية بين المكون الروحي و بين المكون الفكري ، فبالإصغاء و التأمل و التوازن الذاتي تستطيع تلك المكونات التأثير الفعال على التركيبة الطبيعية للشخصية الإنسانية بكل رقي ، و تدخلها في دائرة التعلم و التطور لدرجة بلوغ الذات مرتبة العلم القائم ، و لأن لكُل إنسان مهما بلغ من سماحة النفس والمعرفة ، طاقة محدودة في المعرفة ، لهذا فهو لا يمكن إدراك كل المعارف و العلوم ، لأن العلم القائم هو بحر لا حدود له ، حيث لا يمكن الحصول على كل مداركه إلا من خلال القيام بشيء مهم هو  الاحتواء و التواضع و الانفتاح على العوالم المتعددة التي لم يستطع الكثيرون سبر خباياها دون الانحراف و الانجراف وراء الشك و النكران ، بل هو التدبر في ملكوت الله تعالى و مخلوقاته المتناغمة فيما بينها ، و كيفية تسخيرها في خدمة الإنسانية  .

إن المكون الفكري هو المسؤول عن المعرفة و الحرية الفكرية المؤدية حيث الحق و العدالة الانتقالية إلى السلام الروحي ، و عليه يجب علينا العثور على هذا الحق و هذه العدالة الانتقالية كي نجد فعلا تلك الحرية الفكرية في حق الوجود ، و سلوك الطَّريق الوحيد لبناء العمران الصالح لمستقبل أصلح ، فيكونَ لذلكَ التأثير الصحيح على صُنعِ المجتمع الإنساني المتزن و النافع المبني على المعرفة و التعلم و التطور و التسامح و المحبة .

إن المكون الفكري هو من أصعب و أخطر المكونات الرئيسية للشخصية الإنسانية ، إذ يستطيع من خلاله الانسان التغيير و التأثير في الأشخاص و في الحياة بصفة عامة ، و هذا ما يجعله أقوى و أقوم  مخلوق و احسنهم قواما و تقويما و قياما بحق الكون و وجوده  .

اظهر المزيد
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى