مع الكوتش برعي محمد

الدخول المدرسي وهوس التقويمات التشخيصية لدى الاباء

برعي محمد

التقويمات التشخيصية في بداية السنة الدراسية أصبحت من الطقوس التربوية التي تثير جدلاً واسعاً داخل الأسر المغربية، وتحولت من أداة بيداغوجية إلى هاجس يقض مضجع الآباء. فبدل أن ينظر إليها كوسيلة لفهم مستوى التلاميذ وتحديد مكامن القوة والضعف في تعلماتهم، باتت تعامل وكأنها امتحانات مصيرية، تبنى عليها أحكام قاسية وتوقعات غير واقعية. هذا التحول في النظرة إلى التقويمات يعكس خللا عميقا في فهم الوظيفة التربوية للتقويم، ويكشف عن أزمة ثقة بين الأسرة والمدرسة، بل وبين الأسرة ومفهوم التعلم نفسه.

فالتقويم التشخيصي ليس امتحانا ولا اختباراً للنجاح أو الرسوب، بل هو عملية تربوية تهدف إلى رسم صورة أولية عن مستوى المتعلم، لتحديد الصعوبات التي يعاني منها، وتوجيه خطة الدعم المناسبة له. لكن حين يختزل هذا التقويم في نقطة أو ترتيب، ويُستخدم للمقارنة بين التلاميذ أو بين المؤسسات، فإنه يفقد جوهره التربوي ويتحول إلى أداة ضغط نفسي على الأطفال وأسرهم. هذا الهوس بالنقط والنتائج في مرحلة يفترض أن تكون مخصصة للفهم والتشخيص، يخلق توترا غير مبرر، ويؤثر سلبا على علاقة الطفل بالتعلم، ويزرع فيه شعورا بالخوف بدل الفضول.

ما يزيد من تعقيد الوضع هو التفاوت بين المؤسسات التعليمية، خاصة في ظل تعميم نموذج “المدرسة الرائدة” على عدد متزايد من المدارس. هذا النموذج، رغم أهدافه النبيلة في تجويد التعلمات وتحديث الممارسات التربوية، يخلق نوعا من المقارنة بين المدارس، ويغذي شعورا بالتمييز لدى الأسر التي لا تنتمي مؤسسات أبنائها لهذا النموذج. في ظل غياب تواصل واضح وشفاف حول أهداف التقويمات التشخيصية ،هنا يجد الآباء أنفسهم في حيرة، يتداولون مفاهيم تربوية دون فهم دقيق لمعانيها، ويبحثون عن إجابات وسط تضارب الآراء.

ومما يزيد ارتباك الأسر وتضارب الآراء في بداية الموسم الدراسي هو الغموض الذي يحيط بمفاهيم التقويمات ذات العلاقة بالدخول المدرسي: فتارة يسمعون “تقويم تشخيصي”، وتارة أخرى “طارل”، ثم يظهر مفهوم اخر “الدعم المكثف”، دون أن يكون هناك توضيح تربوي كاف يشرح الفروق الدقيقة بين هذه المفاهيم أو يربطها بسياقها التعليمي الحقيقي،هذا التعدد في المصطلحات، دون تبسيط أو شرح، يجعل الأسر في حيرة من أمرها، ويغذي شعورا بعدم اليقين اتجاه ما ينتظر من أبنائهم في الأسابيع الأولى من الدراسة..

إن التقويمات سواء كانت تشخيصية أو تكوينية أو إجمالية، يجب أن تبنى على مرجعيات واضحة ومعايير موضوعية، لا على اجتهادات فردية أو مقارنات سطحية،المدرسة ليست ساحة سباق، بل فضاء للتعلم والنمو، والتقويم يجب أن يكون وسيلة لتطوير التعلمات، لا للحكم على المتعلمين ،فالمطلوب اليوم هو إعادة الثقة في المدرسة، وفي العملية التربوية، من خلال تبسيط المفاهيم، وتوضيح الأهداف، وإشراك الأسر في فهم النموذج التربوي المعتمد، فالتقويم ليس غاية في حد ذاته، بل وسيلة لفهم أفضل، ودعم أنجع، وتعليم أكثر إنصافاً.

والمدرسة المغربية لا تنقصها الكفاءات التربوية، ولا القدرة على إنتاج نماذج تعليمية أصيلة، لكن ما ينقص هو توحيد الرؤية والمنهج، والقطع مع منطق الاستيراد غير المدروس للمفاهيم.

 فالتقويمات يجب أن تكون في خدمة المتعلم، لا عبئا عليه، ويجب أن تفهم في سياقها التربوي، لا في سياق المقارنة والمنافسة وحين نعيد للتقويم مكانته التربوية، نعيد للمدرسة دورها الحقيقي، ونفتح الطريق نحو تعليم يزرع الثقة، ويصنع المستقبل.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى