
هادية بن حسين
أستاذة بالمعهد العالي للفنون و الحرف بقابس متحصلة على شهادة الدكتوراه في نضريات الفنون
بؤرة من الضوء الخافت تنير ذلك الوجه الكوميدي وجه المهّرج، تخترق ذلك الجسم الثلاثي الأبعاد
بأوجهه الستة المنتصبة و أعمدته الإثنا عشر الممتدّة طولا و عرضا بزاوياه القائمة الصلبة تسكن هناك كتلة سوداء وكأنّها لطخة لونية كبيرة الحجم إرتمت على سطح المحمل فسكنته و نامت هناك، إقتربت منه بخطى وئيدة لطخة صغيرة بيضاء، إرتسمت على وجهه مختلطة بذلك الضوء الخافت المنبعث من الخارج تشكّل في ثنائية كشفت عن ما يسكن المكعب، كشفت عن مادة متراصّة متراكبة، جسد وحيد
نائم على الأرض على السطح السفلي للمّركب متكمش منغلق في قوقعة ذاته لعلي به كتلة هامدة أو
كيان معزول في زنزانة متفرّدة عكس رمزية الوحدة الموحشة و العتمة والصمت والضيق و الٍإنغلاق، قضبان حديدية كبّلته و قيّدته جعلته أسيرها و رهينها ،جسد إستساغ مسكنه فإستسلم له و نام هناك .
و لكن هل سيبقى نائما مستسلما لقضبان كبّلته راضيا بمصيره أم أنّه سينتفض منتصرا لحرّيته؟
لتتعالى فجأة و بالتحديد في الدقيقة 0:12 منذ زمن إنطلاق العرض أهازيج بصوت نسائي من التراث
المغربي إجتثّت من بواطن التاريخ المغاربي، ألحان أخذتنا معها إلى كلمات خطّت في صفحات مرقعات أجدادنا و أسلافنا، معاني أوقضت في الزمن الحاضر لتعيشنا الزمن الماضي، أصوات حرّكت في داخلنا شيئا ما كنّا نظنّه طفى و إندثر، ليس نحن فقط كمشاهدين بل طالت أيضا ذلك الجسد الهامد و إخترقت بنغماتها المنبعثة من الخارج جسده و روحه و دغدغت مشاعره لتبعث فيه الحياة من جديد، فيسترجع أنفاسه شيئا فشيئا، بدا بتحريك يديه ثم قدميه لينهض مرّة واحدة و ينتفض مترجما لنا بحركات و إن كانت بطيئة مشاعره المكبوتة،
ولكن سرعان ما إصطدم في نهوضه بالوجه العلوي للمكعب، إصطدام أرجعه إلى وضع البداية، غير أنّه هذه المرة ظلّ هناك لا يقاوم، يتحّرك يمينا و يسارا، أمام وراء لعلّه يجد منفذا أو مخرجا يمكّنه من الخروج من ذلك الشكل الهندسي بصلابته و ظلمته، بضيقه و إنحباسه إلى المدى الأرحب و كأنّه يريد أن يفلت ليعانق ذلك الصوت الفلكلوري الذي ينبض بإيقاعات شعبية هزّت أركان المسرح و أثّرت في ذلك الجسد ماديّا ومعنويّا فتماهى معها معتبرا إيّاها السبيل الوحيد الذي أرجع فيه الحياة بعد أن إستسلم للموت و السند الذي إتّكأ علىه ليضمن إستمراريته و يسترجع إستقلاليته و يحقق وجوده، كاشفا عن قدرته في الفعل و في الحركة خاصة عندما ملئ ذلك الفراغ بجسده ليبدأ من هنا رحلته في سبيل إسترجاع حريته التي سلبت، لتنكشف لنا في إنشائية الفعل حالات شتـّى منحدرة من وجه الشخصية المحبوسة فأحيانا نراه يحدق يتأمّل، يتابع، تظهر علىه علامات الضياع و الحيرة و إلىأس والأمل (…) تعابير رافقتها وضعيات حركيّة متعدّدة و متنوّعة، نراه غاضبا يضرب بيديه و بقوّة مفرطة على الجدار علّه يحدث فيه شرخا يمكنّه من النفاذ من الزمن الواقف إلى الآخر المتحرّك و من المكان الضيّق إلى الآخر المفتوح، في حركة تراوحت بين دفع و جذب بين مدّ وجزر فيظهر الجسد بعد تنحيه و يقف بعد جلوسه ويتكلّم بعد سكوته بلغة “لا يمكن أن تكون لغة الكلمات و لكّنها لغة خاصة تنبعث من طبيعة المسرح ويصرخ بعد صمته و يتشبّث بالأمل بعد يأسه.
تواتر متتابع بين متناقضات نفسية و مادية متغيّرة تمظهرت خاصة على مستوى الحركة والسكون، وعلى مستوى القوة و الضعف و الإنبساط والإمتداد، مفاهيم عاشها الفنان لترتسم على جسده الذي ترجمها بلغة الحركة و الإشارة و الإيماءة “فأي جمهور في كل أنحاء العالم يفهم هذه الأعمال لأنّها ترتكز على التعبير بالجسد الذي يعد أهم آله بشرية تستطيع رسم مكوّناتها الداخلية و بواسطة الحركة الجسدية يفهم الجميع ما تريد إيصاله، فلو وضعنا هذه اللغة بتقنية العصر لإستطعنا أن نقول مفهومنا و ثورتنا كلّها تقولها لغة
الجسد” لغة ” إستفزّت المشاهد الباحث عن نفسه في كل حركة و في كل إيماءة و في كل ما يراه ليدخل
العرض في علاقة مباشرة مع الجمهور المتفرّج ويدخل الجمهور بدوره في علاقة مباشرة مع مفردات العرض المسرحي الراقص” .
عرض دخل في علاقة أخذ وعطاء مع المشاهد علاقة جلبت إنتباه المتلقي مستهدفة حواسه سمعيّا بإمتزاج الإيقاع الموسيقي بتلك الأهازيج الشعبية المتعالية و بصريّا من خلال إختلاط الأداء بالديكور و بالإضاءة، “فالغاية من الجمع بين المبحثين اللفظي والتشكيلي تبين معنى التواصل بين فروع الفن تطبيقيا وراء كشف معنى أن تكون الدلالة حاضرة بغيابها وأن يكون الغياب أبلغ من الحضور في النص فهي لعبة الخفاء والتجلّي، لعبة تثير متعة القراءة و التأويل “
صورة وقف أمامها المتلقي في حالة حيرة و تساؤل حيرة دفعتنا كقراء لطرح التساؤل التإلى: ما الذي يربط المكعب بالجسد ؟
لماذا ذلك القناع البهلواني دون غيره ؟
ما سرّ تلك الأهازيج التراثية المسترسلة من الخارج؟ ما علاقة الجسد بالإطار الضيق؟
و من الناحية اللونية لماذا وقع الاكتفاء بالأبيض و الأسود كقيمتين ضوئيتين ؟
تساؤلات أخرى وتخمينات راودتنى في الوقت الذي كنت أتحدّث فيه مع صاحب العمل “زكريا العبيدي” خاصة عندما قال لي و بخصوص الكلمات الموسيقية بأنّ كلمات الأغنية أصلها جزائري و العرض مغربي في حين أنّ الإيقاع مخلوط بين ما هو تونسي و مغربي و جزائري، هنا تساءلت هل أنّ الفنان في إستحضاره لبلدان المغرب العربي الثلاث عن وعي بالقضايا الكونية التي تجمع بينهم؟ هل أنّه يعي ما يفعل لذلك جمعهم في عرض واحد عنون ب”الإضطراب” هذا المصطلح الذي ينساق على جميع بلدان المغرب العربي خاصة عندما أشار لي و هو يقرأ عمله بأنّ نقطة الوسط التي نام فيها الجسد و سكن هناك يقصد بها القارة الإفريقية التي تشمل بلدان المغرب العربي و الأربع زوايا التي تحدّها من مختلف الجهات إشارة للقارات الأربعة الأخرى؟
تأملات و مقترحات و إسترسلات وقراءات كانت نتيجة لعلامات و رموز بصرية و سمعية سكنت في مكان حقيقة لا نعلم مأتاه، هل أنـّها سكنت وعينا أم أنّها سكنت روحنا لتأسرنا بين إستفهاماتها و تساؤلاتها كما أسر الجسد بين قضبان المكعب؟ و لكن حتما تختلف وضعية القارئ عن وضعية الجسد رغم كونهما يجتمعان في مصير مشترك، ليستهوينا أيضا ذلك الشكل الهندسي الفضائي فيمنّينا لنقتحما أركانه و نجتاز قضبانه و يسكن جسدنا و فكرنا هناك، ليس جسدا مستسلما مثله بل نراه باحثا مستكشفا حائرا في سبب تقوقع ذلك الكيان الأسود الذي أضحى مادة هامدة، مذبذبة، مضطربة، مندفعة و متقلّصة، تراوحت حركاته بين أخذ وجذب حركة نراها تبني لتهدم وتهدم لتعيد البناء من جديد و لكن سرعان ما تسترخي قواها لتكسر ما شيّدته و كأنّ شيئا ما يمتص طاقتها و يسلب إرادتها، و لكن يبقى ذلك الجسد رهين المحاولة ليقوم مرة أخرى آملا، مستبشرا بواقع آخر جديد فيحاول يلتفت هنا و هناك تشتدّ نظراته و سرعان ما تتقلص ليرجع في اللأخير على ذاته و يدخل في صراع معها مع ذلك الشيء الذي تراوح بين المرئي )اليد( و اللامرئ )الظمير( ودخل هنا في مواجهة مباشرة مع متحدّيه و محاوره، صراع جسّدته حركات الأيدي بين يد رافضة حالمة و كأنها في حالة إحتفال و نشوة مفرطة راضية بوجودها في ذلك الحيز الذي يكاد ينطوي علىها، فأخذت ترقص مترنّمة شادية، حالة من الفرح تسرّبت من إلىد لتطال الرأس و ترتسم على وجه المسرحي الراقص فيتلوّن بلونها و ينبهر بحركاتها و يتوقف بصره هناك و هو يتأمّل حركة اليد طالعة و نازلة، منحنية و منعطفة بعين محدّقة راضية مستبشرة، نظرة غاب فيها الوعي تماما و شلّت فيها الحركة في النصف السفلي من الجسم ليحدث فجأة ما لم يكن في الحسبان تنهض اليد اليمنى من سباتها و تسترجع أنفاسها قليلا و تهاجم نظيرتها بكلّ ما أوتيت من قوة و تدخل معها في حوار صامت حوار يسكنه همّ واحد و هو همّ فك
أسر وقيد ذلك الجسد فتبدأ بمواجهة اليد المستهترة الرافضة لكنّها تفشل في ذلك لتنتقل إلى الحواس التي إستحوذت علىها حركة اليد فحاورت السمع لكنّه أبى الإنصات و حاورت البصر لكنّه عمي، رجعت إلى اليد الرافضة لكنّها بقيت مصّرة على موقف الخنوع و الجمود لا بل ذهبت أبعد من ذلك لتمسك بالأخرى الواعية و تتزاوج معها .
تتزاوج المادة الأولى المتحرّكة مع المادة الثانية الثابتة ، يتزاوج الوعي مع الاوعي و، يتزاوج الجهل و مع الفكر التحرّرى و تنقل العلاقة من علاقة بين ثابت و متحرك إلى علاقة بين متحرك و متحرك وينطبقان على بعضهما البعض لتسيطر الأولى على الثانية و تواصل معها رقصتها التي إنتهت بموت الدماغ كما قال صاحب العمل “زكرياء عبيدي.”
لتتوضّح لنا الصورة، صورة جاءت على شكل علاقة بين مفهومين متناقضين و متقابلين و متناظرين في الجسم ، خالقة لحركة حوارية بين من يريد الإنزياح و التجديد و الإنعتاق و بين من يأبي ذلك، بين من إستحلى الحرّية حتّى إن لم يلامسها و بين من بقي مشدودا إلى الأرض متماثلا و راضخا يأبي النهوض، بين جسد فاعل يدور، يترقب، يترصّد، يتحكّم وآخر مستسلم، مستهتر، رافض، عابث، مساير لحركات الآخر الذي إستعبده …
وبإعتبار أنّ العمل الفني هو عمل مفتوح على تعدّد القراءات والتأويلات ألا يعطينا ذلك كقرّاء صلاحية إستراق لحظة من الزمن، لحظة نسمح فيها لأنفسنا بأن نتوقف ولو لبرهة أمام واقعنا المعاش، ترى ألا ينطبق ما نعيشه نحن إلىوم مع ما عاشه جسد المهرج في الماضى القريب، ألا تعكس صورة العرض سواء في ظاهرها أو باطنها، في حركاتها و سكناتها، في مقاومتها و إستسلامها، في عتمتها و نورها، ألا يعكس ذلك واقع عالمنا إلىوم بما نعيشه من صراع بين حاضرنا و ما ضينا، بين الفكر العلمي المتمثّل في صورة المكعب و الفكر التراثى الإجتماعي المتمظهر في الأهازيج الشعبيّة ، بين ما ذهب إلىه الغرب في الحقل التكنولوجي و ما أخذه العرب منهم، بين رقمنة إكتسحت الفضاء و فكر بسيط لم يزل مكبّلا بالعادات و التقإلىد، بين ما يخلق وبين من يتبع، بين من ينزاح بقدراته الفنيّة و العلميّة و الثقافيّة و بين من يعيش وفيّا للنواميس التي نشأ فيها.
و لعلّ من خلال هذا الطرح تتوضّح لنا صورة المكعب تدريجيا ، فهذا الشكل الهندسي ما هو إلّا رمزا للعولمة و رمزا للتطوّر العلمي و التكنولوجي، إذ نجده حاضرا تقريبا فى مختلف أفلام الخيال العلمي و كان يعتمد بمثابة البوصلة التي تنقلك إلى عالم علمي أكثر إثارة و تشويقا، تنقلك إلى الزمن الآخر إلى زمن
مخالف تماما للزمن المعاش في الحاضر، تستدرجك شيئا فشيئا عبر تلك البوابة و تزجّ بك في أعماقها دون أن تعرف إن كنت سيطيب لك العيش فتتخذه سكنا جديدا أم أنّك ستخرج محمّلا بما أوتيت من فكر و علم و ثقافة إلى عالمك الأول، و لكن هل أنّك سترمي بهم دون زيادة أو نقصان ؟ أم أنّك ستعيد قراءتهم لتضفي علىهم من شخصيتك و ذاتك ؟ أم أنّك ستتماهى و تذوب جسدا و روحا، ماديا وفكريا في الزمن الآخروتستسلم له كما فعل الراقص الكوريغرافى تماما ؟ و لعلّهّا هي المعادلة إن صحّ التعبير أو بالأحرى القراءة النقديّة دون أن نجزم التي تنطبق على العرض المسرحي الراقص، قراءة ظلّ فيها الجسد مضطربا لا إلى هؤلاء و لا إلى هؤلاء، بقى مثله مثل المهّرج تماما، هذه الشخصية التي تتميز بالسذاجة و الإستهتار و البساطة و الإستسلام، تتميّز أيضا بالغباء و البلاهة، مفاهيم تنطبق مواصفاتها على شخصيّة المهرج في العرض.
“فإضطراب” إذا ما هو إلّا إضطراب العالم المغاربي ككل، إنطلق بإضطراب الجسد الذي كان أسير مسطّحات متعامدة في مساحة صغيرة مظلمة جعلته أسيرها و رهينها، إنّها مساحة ذاك المكعّب السابح في الفضاء، ذلك الجسم الهندسي، ذلك الكيان العلمي، تلك البوابة الزمنية التي أغوت الجسد بإشعاعاتها فأضحى رهينها و سجينها، لتوقضه تلك النغمات السابحة في الفضاء فتدغدغ حواسه و ينهض، كيف لا يتفاعل معها و هي تترنّم بمعاني أهازيج تراثيّة تقليدية أرجعته إلى زمن مضي ليعيش صراعا مع الزمن المعاصر، أزمنة تمضهرت بين أخذ ورد بين دفع و جذب، كل يحاول أن يسيطر زمنه على الأخر، ثنائية أضحى خلالها الجسد مذبذبا بين الإنقياد إلى الزمن المعاصر وبين التمسّك بماضيه، بتراثه، بعاداته و تقاليده و بأصوله و هويّته .
غير أنّ حركاته لا تشير إلى ذلك فوجد نفسه ضعيفا عاجزا أمام ذلك الكيان الساطع، أمام ذلك التيّاّر الجارف لتغادرنا حركات الجسد و ينطفئ نوره و تشل ديناميكيته و كأنّي به قد أصبح علىلا أو كفيفا، تارك لنا في إستسلامه مواقف و تساؤلات عديدة و متنوّعة رسمها على أثار خطواته العائدة إلى الوراء، كما رسمتها لنا ملامح وجهه التي يغدوها الصمت و السكون و لم يبقى له إلّا أن يخطي بخطواته الأخيرة إلى ذلك الركن الضيّق فتلتقفه الظلمة و يلتحفه السواد.















