مجتمع

كبسولة الحياة “حديث عن الموت”

الكوتش الدولي الدكتور محمد طاوسي

عندما نتحدث عن الموت غالبا نضع صورة قاتمة لهذا المخلوق ، و الذي هو عبارة عن كبسولة الزمن التي تنقلنا من عالم ملئ بالضوضاء و الكبد و التعب و النصب إلى عالم أخر قوامه التشخيص و الحساب ، فمن يعمل مثقال ذره خيرا في هذا العالم الفوضوي يراه في العالم الاخروي ، و من يعمل مثقال ذرة من شر كذلك يلقاه ، حيث هناك رب رحيم كريم عظيم يجزي على الخير قبل السوء و يعفو عن كثير .

و عندما نتوق إلى الهدوء الروحي ، فحتما أن الروح هي التي تتوق إلى ملاذها و عالمها الروحاني حيث خلقت و ترعرعت ، ذلك الملاذ الرباني الآمن و الرحب الذي لا غوغاء فيه و كدر ، فهذه الروح تشتاق إلى باريها لأنها هي من أمره ، فهي منه و إليه سبحانه ، و هذا ليس فيه شؤم أو تشاؤم ، إنما هي حقيقة الوجود ، إذ الأصل أن الإنسان خلقه سبحانه وتعالى في الجنة و نفخ فيه من روحه ، فهي حتما تحن لصاحبها و مولاها ، و هذا من ‏ألطاف الله تعالى التي تلاحق الروح التواقة لحبيبها ، و لكننا لا ندري و لا نعي حقيقة تلك الألطاف المولوية ، فهو الذي ساق إلينا خفايا لطفه ، و لم نستشعر ذلك إلا بعد حين ، و هو الذي يدبر الأمر من قبل و من بعد ، و هو الذي ييسره كي ينساب بيننا .

ان صفة الجلال التي في الروح هي ذلك اللطف الخفي الذي يجعل الكينونة الوجودية في تجاذب وجداني مع خالقها ، و قد علمت أن الوجود في هذه الحياة هو مهمة و رسالة تؤديها ثم مرجعها إليه ، فتتأهب و تتزين بلطفه الذي لم تحِط هذه الروح به علما ، و تزداد توهجا و بريقا بقرب الحبيب منها و قربها منه ، فلا تجعل من الموت حالة إهمال و اضطراب ، بل تجعل منه عرسا للقاء الذي سواها و انبتها في قالب الإنسانية .

إن ما بعد الموت هُناك فرح عَظيم ، و ثِقة بالله وَ غبطة بلطفه مِن جديد ، فالموت هو اختصار الكلمات ثلاث ، إذ أن عبارة موت تدل على ” ما وراء التراب ” ، فإذا ركّزنا جليا مع هذه العبارة ، فإننا لن نتألم ابدا لأننا حتما سندرك حقيقة ما بعد الموت ، و إذا ركّزنا مليا مع هذا الدرس من هذه الحقيقة فإننا حتما سنزداد يقينا بألطاف الله تعالى و بركاته علينا .

و لأن الموت هو قدر من أقداره سبحانه فلنستقبل كل أقدارنا بنفوس راضية و أرواح زاكية و قلوب متسامحة سالمة ، فالله يعلم الطيب منها من الخبيث و يعلم الجواد منها من البخيل ، و يعلم السالك منها إليه من الهالك ، و لننظر إلى ألطافه سبحانه من الزاوية النورانية و الإيجابية فيها ، و لنتعلّم منها أننا في هذه الحياة لسنا إلا زوارا ، ولا نجعل من ذكر الموت معضلة تعيق تقدم رحلتنا إلى مقام الصفاء الوجداني و الملاذ الصريح بين حضرة الإقبال على الله تعالى ،‏ و لا نجعل هذا المقام يُفلت من بين يدينا ، فما ساقهُ الله لأجلنا هو خير و أبقى ،و لا يفوتنا رزقه إلينا بسوء الظن به سبحانه و إن تأخر ، و من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه .

كم هي أنيقة تلك النفوس التي تتأهب و تتزين للقاء الأبدي ، و ترضى بمنح الحبيب في ابتلائه ، و تصبر على حبه ، و تستقبل الحياة بعين اليقين ، و تقدس ذاتها التي تحمل روحا من روح الله ، و تعرف قيمتها بين يدي الله تعالى ، و كم تكون جميلة تلك النفوس عندما تتحلى بعلم اليقين ، فتجعله زينتها ، و تتخذ من السلوك و المبادئ حللا و حالا ، فتكون بالصداقة هي اﻷجمل ، و بالحب هي الأروع ، و باﻷخلاق هي الفرس المحجلة ، و في التعامل هي العروس المدللة ، و حتى في البعد تكون اجمل و اجل جمالا ، و كلها يقين هادئ بأن كل شئ حولها يرحل من هذه الحياة عبر كبسولة الموت كوريقات الشجر و بتلات الزهر التي تغادر مخدعها كي تنبت في المنبت الأصل .

و كم هي جليلة هذه الأرواح في صبرها المنمق بالقناعة
و المتوهج بالرضى ، و المستنير بعيون الإقبال حتى و إن هزّت رياح اليأس مركبها ، فحُسن الظنّ بالله فيها يُنجيها ،
و حسن المقصد إلى مقام الحب يحميها ، و حسن الأدب مع الله يرويها ‏، و كم هي عظيمة هذه الارواح في سيرها
و مسيرها عندما تسند نفسها بنفسها ، فلا تنتظر سندا من أحد إلا باريها ، و لا تعتمد على احد إلا مولاها كي لا ينتهي بها المطاف في متاهة الخذلان ، فكم من نفس تحسب انها عزيزة في قلوب من أحبتهم ، ثم يأتي موقف يظهر عكس ذلك ،
و يفنذ كل التوقعات ، فتتيه في غياهب النكران و الخذلان .

كم هي جليلة تلك القلوب التي تنبض باليقين في نفحات الله تعالى و الطافه ، فترى الجنان الرمزية في حب الله تعالى ،
و تعلن إقامة مراسيم الافراح الوجدانية في اهبة الحضرة الربانية كي تزف في الفردوس بحضور الهيبة المحمدية ، حيث المقام المحمود ، إذ لو رأى أحدنا طرف الجنان و ما به ازدان لتصلب ظهره من كثر السجود للواحد الديان ، و لادرف دموع الفرحة بكاء على حسن مقصده إلى الرحيم الرحمان ، فاللهم يا خالق الجنان لا تحرمنا لذة النظر إلى وجهك يا حنان يا منان.

و كم هي رائعة تلك النفوس التي تتسابق على الخير متفائلة بعودتها إلى المعين الأصلي و المنبع الحقيقي ، حتى و إن فقدت ما فقدت أو كسّر المسير أضلاعها ، فهي على إيمان كبير انها ستجتاز هذه العقبات و التحديات ، كما يجتازها الموقن بالفوز في السباق ، فتختار الرضى كي يهُون عليها العبور نحو نقطة الوصول ، و تختار الصاحب و الرفيق الذي يحملها و يحمل عنها ، كي تسعد في المكان الذي تجد فيه لذة الصحبة ، فبهاء الاماكن بمن رافقها فيها ، و جمال الأوقات بمن شاركها معها ، و كم هي اكثر روعة تلك الأحوال التي تتقلب فيها تلك القلوب و الارواح و النفوس فتكون راضية مرضية فتدخل في كنف الله و جنانه بعدما استقلت كبسولة الزمن ، و عندما ايقنت أن ما اختاره لها المولى سيكون من أجمل الامور ،
فاللهم ارزقنا حسن المحيى و حسن المقصد و حسن الأدب و حسن الختام و حسن اللقاء .

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى