اش واقع فمدينتي

قراءة في مشاورات تشكيل حكومة المنصوري: هل نحن أمام تغيير في الاختيارات أم إعادة توزيع للأدوار؟

توفيق أجانا

لم تكن الانتخابات التشريعية لـ23 شتنبر 2026 مجرد محطة لتحديد عدد المقاعد التي حصل عليها كل حزب، بل شكلت، في بعدها السياسي، اختبارا لصورة المشهد الحكومي المقبل ولانتظارات الناخب المغربي من المرحلة الجديدة. وقد أفرزت النتائج الرسمية تصدر حزب الأصالة والمعاصرة بـ97 مقعدا، يليه التجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعدا، ثم حزب الاستقلال بـ65 مقعدا.

وبناء على هذه النتائج، عُينت فاطمة الزهراء المنصوري، المنسقة الوطنية لحزب الأصالة والمعاصرة، رئيسة للحكومة وكلفت بتشكيلها بمقتضى الفصل 47 من الدستور. ومنذ ذلك الحين دخل المشهد السياسي مرحلة جديدة عنوانها الأبرز: من سيشكل الأغلبية؟ وبأي منطق؟

لكن السؤال الأكثر حساسية لا يتعلق فقط بعدد الأحزاب التي ستدخل الحكومة، وإنما بطبيعة الرسالة السياسية التي ستحملها هذه الحكومة.

فإذا كانت المنصوري تقود مشاورات لتشكيل حكومة جديدة، فإن مشاركة التجمع الوطني للأحرار تطرح إشكالية سياسية تستحق النقاش. فالأحرار لم يكونوا حزبا خارجيا عن تجربة الحكومة السابقة، بل كانوا يقودونها، إلى جانب الأصالة والمعاصرة والاستقلال، ضمن الائتلاف الحكومي السابق. ومن ثم فإن عودة الحزب نفسه إلى الحكومة الجديدة، في تركيبة مختلفة، ستجعل المتابع أمام سؤال مشروع: هل نحن أمام تغيير في الحكومة، أم أمام إعادة توزيع لمواقع القوة داخل المشهد الحكومي؟ وهنا تحديدا تكمن أهمية المشاورات الحالية.

المعطيات المعلنة لا تثبت، إلى حدود الآن، أن التجمع الوطني للأحرار وضع شروطا رسمية للمشاركة؛ بل إن رئيس الحزب محمد شوكي أكد أن الحزب مستعد لتحمل المسؤولية «من أي موقع كان»، وأنه تعامل مع المشاورات دون شروط مسبقة، مع التشديد على الاستقرار والعمل المؤسساتي. كما أن مشاورات تشكيل الحكومة بدأت فعليا بلقاء بين قيادات الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار يوم 30 شتنبر.

لكن السياسة لا تُقرأ فقط من خلال البلاغات الرسمية، وإنما كذلك من خلال طبيعة التفاوض حول البرامج والحقائب والأولويات وآليات اتخاذ القرار.

ومن هنا يمكن طرح السؤال بصيغة أكثر عمقا: إذا انتهت المشاورات إلى عودة التجمع الوطني للأحرار إلى الحكومة، فما الذي سيجعل هذه الحكومة مختلفة سياسيا عن سابقتها؟الجواب لا يمكن أن يكون في أسماء الوزراء وحدها.

فالمواطن الذي ذهب إلى صناديق الاقتراع لم يصوت فقط لتغيير الأشخاص، وإنما شارك في عملية سياسية أفرزت ترتيبا حزبيا جديدا. وحين ينتقل حزب كان في قلب الحكومة السابقة إلى الحكومة الجديدة، يصبح معيار التغيير مرتبطا بما إذا كانت هناك بالفعل اختيارات جديدة، وأولويات جديدة، ومنهجية جديدة في تدبير السياسات العمومية. وهنا تظهر المفارقة السياسية.

الأصالة والمعاصرة تصدر الانتخابات، وأصبح من حقه السياسي والمؤسساتي أن يقود المرحلة الحكومية الجديدة. لكن قيادة الحكومة لا تعني فقط تغيير رئيس الحكومة أو تغيير بعض الحقائب. إنها تعني، في جوهرها، القدرة على تقديم تصور مختلف للمرحلة المقبلة، يستجيب للرسائل التي أفرزتها صناديق الاقتراع.

لذلك فإن مشاركة الأحرار ليست، في حد ذاتها، دليلا على غياب التغيير، كما أن عدم مشاركتهم ليست، في حد ذاتها، دليلا على حدوثه. المعيار الحقيقي هو مضمون التحالف الجديد.

هل سيكون هناك برنامج حكومي جديد بالفعل؟

هل ستتغير الأولويات؟

هل ستتغير طريقة تدبير الملفات الاجتماعية والاقتصادية؟

هل ستتم مراجعة الاختيارات التي كانت محل نقاش خلال الولاية السابقة؟

وهل ستنتقل الحكومة الجديدة من منطق استمرارية السياسات إلى منطق تقييمها وتصحيحها حيث ثبتت الحاجة إلى ذلك؟

هذه هي الأسئلة التي ستحدد معنى الانتخابات أكثر من مجرد تركيبة الحكومة.

أما السيناريو الأكثر إثارة للنقاش، فهو أن تتحول المفاوضات إلى مجرد عملية لإعادة توزيع الحقائب بين الأحزاب نفسها، بحيث نجد الوجوه أو القوى السياسية ذاتها حاضرة، ولكن بأدوار مختلفة.

عندها لن يكون السؤال: من دخل الحكومة؟

بل سيصبح السؤال: ما الذي تغير فعلا؟

وهذا السؤال لا يستهدف حزبا بعينه، وإنما يضع التجربة الديمقراطية أمام امتحان أكبر: هل الانتخابات تغير السياسات، أم تغير فقط مواقع الأحزاب داخل السلطة التنفيذية؟

وفي هذا السياق، فإن أمام فاطمة الزهراء المنصوري مسؤولية سياسية خاصة في إدارة معنى هذه المرحلة. فقيادة حزب تصدر الانتخابات تمنحها موقعا قويا في تشكيل الحكومة، لكنها في الوقت نفسه تجعل كل اختيار تقوم به جزءا من تفسير نتائج الانتخابات.

فإذا اختارت التحالف مع الأحرار، فإن ذلك يمكن أن يكون مفهوما من زاوية بناء أغلبية برلمانية منسجمة وقادرة على ضمان الاستقرار الحكومي، خصوصا أن تشكيل الحكومة يتطلب حسابات عددية وسياسية معقدة. لكن في المقابل، سيكون من المشروع مساءلة هذه التركيبة حول ما الذي ستضيفه مشاركة حزب كان جزءا أساسيا من الحكومة السابقة إلى الحكومة الجديدة؟

وبالمقابل، فإن استبعاد الأحرار لا يعني بالضرورة أن الحكومة الجديدة ستقطع تلقائيا مع المرحلة السابقة، لأن القطيعة الحقيقية لا تقاس بعدد الأحزاب المشاركة، وإنما بالبرامج والسياسات والقرارات وطريقة تنفيذها.

ومن هنا يمكن القول إن الامتحان الحقيقي للمنصوري ليس في اختيار الحلفاء فقط، وإنما في قدرتها على تحويل نتائج الانتخابات إلى مضمون حكومي جديد.

فالحكومة التي ستولد بعد انتخابات 2026 ستكون مطالبة بتقديم إجابة واضحة عن سؤال جوهري: ماذا تغير؟

وإذا كانت الإجابة مجرد انتقال حزب من رئاسة الحكومة إلى موقع آخر، وانتقال مسؤولين من حقائب إلى حقائب، واستمرار التحالفات السياسية ذاتها دون مراجعة جوهرية للبرامج والأولويات، فإن النقاش العمومي سيجد نفسه أمام مفهوم سياسي حساس: إعادة توزيع الأدوار بدل إعادة بناء الاختيارات.

وهذا لا يعني الحكم مسبقا على الحكومة المقبلة، ولا يعني أن مشاركة أي حزب بعينه ستفشل التجربة أو تنجحها؛ فالحكم الحقيقي سيكون من خلال الأداء والبرنامج والنتائج.

لكن الرسالة السياسية التي ينبغي أن تصل إلى مختلف الفاعلين واضحة: الانتخابات ليست مجرد عملية حسابية لتوزيع المقاعد، وإنما آلية لإعادة ترتيب الشرعية السياسية وتحديد اتجاه المرحلة المقبلة.

ولهذا، فإن حكومة المنصوري ستكون مطالبة بأن تجعل من تركيبتها وبرنامجها جوابا سياسيا عن نتائج 23 شتنبر، لا مجرد استجابة لمعادلات التفاوض.

فإذا كان التحالف مع الأحرار سيحمل برنامجا جديدا، وتقييما موضوعيا للمرحلة السابقة، وتوزيعا جديدا للمسؤوليات، وأولويات مختلفة، فإن المشاركة يمكن قراءتها باعتبارها تحالفا جديدا داخل مرحلة جديدة.

أما إذا أصبح التغيير محصورا في تبديل المواقع والحقائب والأدوار، فإن السؤال الذي سيبقى مطروحا بقوة في النقاش العمومي سيكون أبعد من أسماء الأحزاب:

ما جدوى الانتخابات إذا كانت النتيجة السياسية النهائية هي إعادة إنتاج المشهد نفسه بأدوار مختلفة؟

وهنا بالضبط تكمن دلالة حكومة المنصوري:
ليست المسألة في من سيجلس إلى جانبها حول طاولة المجلس الحكومي، وإنما في ماذا ستفعل الحكومة عندما تجلس حول تلك الطاولة.

فالتاريخ السياسي لا يسجل فقط أسماء الحكومات، بل يسجل أيضا ما إذا كانت كل حكومة قد حملت معها مرحلة جديدة، أم اكتفت بإعادة ترتيب المرحلة التي سبقتها.

يتبع…

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى