ثقافة وفن

«سركلاج»… حين يصبح الانكسار بداية لتشكيل الذات…

بقلم: ضرمام عبد الرحيم

لا تنشغل «سركلاج» بما حدث بقدر انشغالها بما يتركه ما حدث داخل الإنسان. إنها تتجاوز منطق الحكاية التقليدية، القائمة على العرض والعقدة والخاتمة وفق المنطق الكلاسيكي، لتدخل إلى مناطق الذاكرة والوعي واللاوعي والرغبة والذنب، حيث لا تعود الخشبة فضاء لعرض الأحداث، بل مختبراً تتعرى فيه الذات أمام نفسها.
في هذا المختبر، تصبح الأسرة صورة مصغرة للإنسان بكل تناقضاته. تحاول حليمة أن تجمع ما تشتت وتحافظ على ما تبقى من تماسك البيت، بينما تبحث سلمى عن الخلاص من ذاكرة تثقل حاضرها، في حين يكشف عزيز عن تناقض اجتماعي عميق في الطريقة التي يحاكم بها الرجل والمرأة أمام الخطأ نفسه. وهكذا لا تصبح الشخصيات مجرد أفراد، بل مرايا لأسئلة إنسانية واجتماعية تتجاوز ذواتها.
وفي قلب هذا العالم تقف ثنائية المقص وآلة الخياطة؛ فالمقص يقطع ويفصل ويمزق، بينما تحاول آلة الخياطة أن تجمع وتصل وترمم. غير أن الخياطة لا تلغي أثر القطع؛ إنها تترك ندبة وخطاً وأثراً يقول إن الانكسار وقع فعلاً.
أما على المستوى المرئي، فإن المشهد الأخير يتمثل في قص حليمة لثوب الجنين، بما يحيل إلى انقطاع الغرزة عند الرحم، بينما على المستوى المنطوق تأتي العبارة: «قطعت للحنش راسو من الجدر..»، لتكثف لحظة القطع في بعدها الرمزي، وتجعل فعل الانفصال يتجاوز معناه المادي نحو معنى أكثر عمقاً يتصل بالولادة والموت، بالبداية والنهاية، وبما نحاول قطعه داخلنا أو عن الآخرين.
ومن هنا تأخذ كلمة «سركلاج» معناها الأعمق: ليست استعادة لما كان، وإنما محاولة لإعادة تركيب ما أصبح. فالدائرة التي تبدأ بصوت آلة الخياطة وتنتهي به ليست دائرة مغلقة تعيد الشخصيات إلى نقطة البداية، بل دائرة حلزونية؛ يعود الإنسان إلى المكان نفسه ظاهرياً، لكنه يعود محملاً بما عاشه، وقد تغيرت نظرته إلى نفسه وإلى الآخر.
لهذا لا تقدم «سركلاج» خلاصا جاهزا، ولا تدعي أن كل ألم يقود بالضرورة إلى القوة. بعض الجروح لا تشفى، وإنما تتحول إلى ندوب. والندبة ليست دليلا على الضعف، بل أثر يستقر في الذاكرة ويعيد تشكيل علاقة الإنسان بنفسه وبالعالم.
هنا تلتقي «سركلاج» مع مقولة نيتشه: «ما لا يقتلني يجعلني أقوى»، لكنها تذهب أبعد منها؛ فالإنسان لا يصبح بالضرورة أقوى بعد الألم، وإنما يصبح مختلفاً. وما يهم ليس محو أثر الجرح، بل العثور على طريقة جديدة للوجود معه.
لذلك فإن السركلاج الحقيقي لا يقع في القماش، وإنما في الإنسان نفسه. إنه محاولة لخياطة الذاكرة بالحاضر، والرغبة بالواقع، والذنب بالمسؤولية، والجسد بما يخفيه، والكلام بما عجز الإنسان عن قوله.
وفي تقديمها ما قبل الأول، الذي احتضنه المركب الثقافي مولاي رشيد بالدار البيضاء يوم 1 شتنبر 2026، كشفت «سركلاج» عن مشروع مسرحي يراهن على جعل الخشبة فضاء لمساءلة الذات الإنسانية، من خلال مقاربة تقترب من السيكودراما؛ حيث لا تتحول الشخصيات إلى ناقلة للأحداث فقط، وإنما إلى ذوات تصطدم بذاكرتها وماضيها ورغباتها وبما تخفيه عن نفسها وعن الآخرين.
وقد استطاعت ساندية تاج الدين، وريم مريمري، وسعد موفق أن تمنح الشخصيات أبعاداً نفسية متباينة، وأن تجعل من العلاقة بينها مجالا لكشف التوترات الداخلية والانكسارات الصامتة. فالأداء لا يقوم فقط على تجسيد الشخصية، وإنما على محاولة النفاذ إلى ما وراء سلوكها الظاهر، بما يجعل الجسد والصمت والنظرة والحركة أدوات أساسية في بناء المعنى، وهو ما منح التجربة التشخيصية للثلاثي بعداً أدائياً لافتاً، يعكس اقتداراً وعلو كعب في الاشتغال على الشخصية وحالاتها النفسية.
ومن خلال هذا الاشتغال، تعيد «سركلاج» طرح أسئلة لا تقدم لها أجوبة جاهزة: هل يمكن للإنسان أن يتحرر من ذاكرته؟ هل يمكن أن نصلح ما انكسر دون أن نترك أثرا؟ وهل نحن ضحايا لما حدث لنا، أم أننا نعيد إنتاجه داخل ذواتنا وعلاقاتنا؟

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى